لا تمثل المخدرات خطراً صحياً مجرداً، ولا يعدّ التطرف انحرافاً فكرياً معزولاً عن سياقه الإنساني والاجتماعي؛ فكلاهما، على اختلاف أدواته ومساراته، يستهدف الإنسان في جوهره: عقله، وإرادته، وقدرته على التمييز، وصلته المتوازنة بنفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه. ومن هنا، فإن قراءة العلاقة بين المخدرات والتطرف لا ينبغي أن تقف عند حدود القانون أو العلاج أو الرصد الأمني، على أهمية تلك المسارات، وإنما ينبغي أن تنطلق من رؤية أعمق تستند إلى مقاصد ديننا الإسلامي السمح، الذي جعل حفظ الإنسان وصيانة كرامته أساساً لاستقرار الحياة وعمارة الأرض.
فالشريعة الإسلامية حين حرّمت كل ما يغيّب العقل أو يفسد الإدراك، لم تنظر إلى ذلك بوصفه حكماً مجرداً، وإنما نظرت إلى آثاره ومآلاته. فالعقل هو مناط التكليف، وبه يميز الإنسان بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين البناء والهدم. وحين يُعتدى على العقل بالمخدرات، فإن الضرر لا يقف عند لحظة التعاطي، وإنما يمتد إلى القدرة على اتخاذ القرار، وضبط السلوك، وحماية النفس من الانجراف وراء الإغراء أو الخوف أو الوهم.
ومن هذا المنطلق، فإن المخدرات تمثل اعتداءً على الضروريات الـ 5 التي جاءت الشريعة السمحة بحفظها: فهي تفسد العقل، وتهدد النفس، وتستنزف المال، وتعرض الأسرة والنسل للاضطراب والتفكك، وتضعف الدين عندما تجرّد الإنسان من وازعه الأخلاقي ومن مسؤوليته تجاه ذاته ومحيطه. وهذه ليست آثاراً متفرقة، بل دائرة متصلة؛ لأن انهيار أحد هذه المقاصد يفتح المجال لتهديد المقاصد الأخرى، ويجعل الفرد أكثر هشاشة أمام كل صور الانحراف والاستغلال.
ولا يصح، من منظور علمي ومنهجي، القول إن المخدرات تصنع التطرف بصورة آلية، أو إن كل متعاطٍ معرض بالضرورة للانخراط في الفكر العنيف. غير أن المقاربة المقاصدية تنظر إلى الأسباب والمآلات، لا إلى الوقائع المجتزأة وحدها. فالمخدرات قد تضعف الضبط الذاتي، وتشوّش الحكم على الأمور، وتعمّق العزلة، وتزيد الاندفاع، وتفتح الباب أمام القلق واليأس والانفصال عن الواقع. وفي هذه البيئات النفسية والاجتماعية الهشة، يصبح الإنسان أكثر قابلية للاستغلال من شبكات الجريمة، أو من دعاة الكراهية، أو من كل خطاب يعهد بقوة زائفة أو انتماء حزبي مغشوش.
إن التطرف، في جوهره، يقوم على إلغاء التوازن ومصادرة التفكير النقدي؛ فهو يدفع الإنسان إلى رؤية العالم بعين واحدة، وإلى تحويل الاختلاف إلى عداوة، وإلى تبرير العنف تحت عناوين مضللة. أما المخدرات فإنها تسلب الإنسان جزءاً من قدرته على المقاومة العقلية والنفسية، وتجعله أكثر عرضة للخضوع للضغط والابتزاز والاستدراج. وهنا يظهر وجه التقاطع بين الظاهرتين: فإحداهما تضعف القدرة على الرفض، والأخرى تسعى إلى تعطيل القدرة على التفكير.
كما أن خطورة المخدرات لا تتوقف عند المتعاطي، بل تمتد إلى البيئة المحيطة به. فالأسرة قد تدفع الثمن تفككاً وقلقاً وفقداناً للثقة، والمؤسسة التعليمية قد تواجه التسيب وضعف التحصيل، وسوق العمل قد يتأثر بتراجع الإنتاجية والانضباط، بينما يتحمل المجتمع آثاراً أمنية واقتصادية ونفسية متراكمة. ولهذا، فإن مكافحة المخدرات ليست شأناً فردياً، وإنما هي مسؤولية وطنية ومجتمعية تتصل بحماية الاستقرار، وتعزيز السلم، وصون مستقبل الأجيال.
ومن أصول المقاصد أن الوقاية مقدمة على العلاج، وأن درء المفاسد أولى من انتظار اتساعها. لذلك، تبدأ الوقاية الحقيقية من الأسرة التي تبني الثقة والحوار، وتنتبه إلى التحولات السلوكية المبكرة دون تهويل أو إهمال. وتبدأ كذلك من المدرسة التي تعزز التفكير النقدي، ومهارات اتخاذ القرار، والقدرة على رفض ضغط الرفاق، والوعي بمخاطر الفضاء الرقمي. كما تتطلب إعلاماً مسؤولاً يواجه الترويج الخفي للمخدرات أو العنف، من دون أن يحول الظاهرة إلى مادة مثيرة أو خطاب تخويف مجرد.
غير أن المقاربة المقاصدية لا تكتمل بالمنع والردع وحدهما؛ لأنها تنظر إلى الإنسان كونه كائناً قابلاً للإصلاح والعودة. فالعلاج من الإدمان يجب أن يكون علاجاً متكاملاً، يجمع بين الرعاية الطبية، والدعم النفسي، والتأهيل السلوكي، ومساندة الأسرة، وإعادة الاندماج في المجتمع والتعليم والعمل. كما أن من تأثر بخطاب متطرف يحتاج إلى معالجة فكرية هادئة ومتخصصة، تعيد إليه القدرة على السؤال والمراجعة، وتفكك الأوهام دون إذلال أو وصم.
إن المجتمع الذي يحمي عقله الجمعي لا يترك أبناءه فريسة للسموم أو للأفكار الهدامة. وهو لا يكتفي بمعاقبة المروج والمتطرف، وإنما يبني مناعة تمنع تشكل البيئة التي ينمو فيها الترويج والغلو والاستغلال. فحفظ العقل ليس قيمة فردية فحسب، بل هو قاعدة من قواعد الأمن الوطني، وحماية الدين ليست شعاراً، بل صيانة للإنسان من الانحراف، وحماية المجتمع ليست مهمة جهة دون أخرى، وإنما مسؤولية تشترك فيها الأسرة والمؤسسة التعليمية والإعلام والجهات الصحية والأمنية والدينية والمجتمعية والفكرية والبحثية.
حين يُغتال العقل، يصبح الإنسان قابلاً لأن يُستغل، ويصبح المجتمع أكثر عرضة للاهتزاز. أما حين يُصان العقل بالوعي، والعلاج، والقدوة، والانتماء الحقيقي، فإن الطريق يضيق أمام المخدرات والتطرف معاً، ويتسع أمام إنسان أكثر اتزاناً، ومجتمع أكثر تماسكاً، ووطن أكثر منعة في مواجهة كل من يتاجر بالسموم أو يستثمر في هدم الإنسانية.