كان تشرشل قد قال ما معناه، إن الديمقراطية ليست نظام الحكم الأمثل في حكم الشعوب عموماً، ولكنها النظام الأفضل الذي توصل إليه فلاسفة الحكم في العالم.
ولم يكن لرجل مثل تشرشل أن يخلص إلى هذا المعنى، لولا أنه كان يجمع في حياته بين السياسة والأدب معاً، بل إنه عندما فاز بجائزة نوبل، لم يحصل عليها كسياسي، ولكنه حازها في الأدب، وكان ذلك مما يدل على مدى ما كان يملكه من قدرات أدبية، فضلاً عن قدراته السياسية، التي ذاع صيته بها، واشتهر بين الناس.. ولا تزال التجربة الديمقراطية في بلاده توصف بأنها أم الديمقراطيات، وهي لا توصف بذلك، إلا لأن وراءها تاريخاً ممتداً من الممارسة على الأرض، فالديمقراطية قد تكون نظريات مختلفة، وقد تكون رؤى متنوعة، وربما متصادمة، ولكنها قبل هذا كله وبعده، ممارسة عملية على الأرض في حياة الشعوب والأمم.
ورغم أن الرجل له عامان بالكاد في 10 داونينغ ستريت، حيث يقع مقر الحكومة الإنجليزية في عاصمة الضباب، إلا أنه وجد نفسه مع حزب العمال الذي يحكم باسمه وتحت مظلته، طرفاً مباشراً في صخب سياسي واسع، يدعو إلى مجيء رئيس حكومة جديد، تحت مظلة حزب العمال نفسها، وقد جرى ترشيح اسم آندي بيرنهام، عمدة مانشستر، الذي فاز للتو في الانتخابات التكميلية، ليكون هو رئيس الحكومة الجديد، الذي سيحل في مكان كير ستارمر.
وإذا ما مضى الصخب الحاصل إلى غايته، وجاء بيرنهام خلفاً لستارمر بالفعل، فإن رئيس الحكومة الجديد، سيكون هو السابع في خلال عقد واحد من الزمان، وهذا في حد ذاته قد يؤخذ على أنه نوع من عدم الاستقرار السياسي، ولكنه يؤخذ، في المقابل، على أنه درجة كبيرة من الحيوية السياسية، التي لا تجد حرجاً في تغيير رئيسة حكومة لم تمكث في مقر الحكومة أكثر من شهرين.
فإذا ما عقدنا مقارنة بينها وبين مارغريت تاتشر، مثلاً، اكتشفنا أن تاتشر بقيت في الحكم 11 عاماً كاملة، ومعها بضعة أشهر.. ولماذا لا تبقى، وقد ظلت توصف بأنها المرأة الحديدية؟.
تبحث أنت عن سبب بقاء رئيس أو رئيسة حكومة هناك، فتجد أنه سبب واحد، بل وحيد، هو رضا المواطن الإنجليزي عن سياساته المتبعة، والعكس صحيح طبعاً على طول الخط.. فلا شيء يقال عن سبب الدعوات التي تصاعدت لاستقالة ستارمر، إلا أن الخدمات العامة التي يحصل عليها المواطن في ظل حكومته، وبالذات الخدمة الصحية، ليست هي الخدمة التي يتعين له أن يحصل عليها.
تمتلئ التجربة الديمقراطية البريطانية بالدروس، ولكن الدرس الأهم فيها، أن رضا المواطن إذا غاب، كان على رئيس الحكومة أن يغيب معه، فما أعظمه من درس في حكم الشعوب.