في إحدى العائلات، كان طفل يلعب كرة القدم مع شقيقه الأصغر في حديقة المنزل. وبينما كانت الكرة عالقة بين الأغصان، حاول إخراجها، فانغرست شوكة صغيرة في إصبعه. صرخ الطفل بشدة وارتبك وكأن أمراً خطراً قد حدث.

هرعت والدته لإسعافه وإخراج الشوكة، لكن خوفه استمر، فقررت الاتصال بوالده الذي اصطحبه إلى قسم الطوارئ. هناك أزيلت الشوكة بسهولة، ووُضعت لاصقة صغيرة على الجرح، وانتهى الأمر خلال دقائق.

لكن القصة لم تنتهِ هنا.

أخرج الطفل هاتفه، والتقط صورة لإصبعه المغطى باللاصقة، ثم نشرها على حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي وكتب: «ادعوا لي، لقد نجوت، وأجريت لي عملية معقدة في الطوارئ».

وخلال وقت قصير انهالت عليه التعليقات ورسائل المواساة وعلامات الإعجاب. أصدقاء لم يتحدث معهم منذ فترة عادوا للتفاعل معه، وآخرون أظهروا اهتماماً كبيراً بحالته، في حين تناقل بعضهم الصورة وكأنها خبر مهم يستحق المتابعة.

عندما عاد إلى المنزل، لاحظت والدته ابتسامة عريضة على وجهه، فسألته عن سبب سعادته. أجابها قائلاً: «اليوم من أجمل أيام حياتي، الجميع اهتم بي وتفاعل معي».

قد تبدو هذه القصة طريفة أو مبالغاً فيها، لكنها تعكس واقعاً يعيشه كثير من أبناء الجيل الجديد. فبالنسبة لبعض الأطفال والمراهقين، لم يعد التقدير الاجتماعي مرتبطاً بالعلاقات المباشرة أو الإنجازات الحقيقية فقط، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بعدد الإعجابات والتعليقات والمشاهدات والمتابعين.

لقد تغيرت معايير الاهتمام في عالم اليوم. ففي السابق كان الطفل يبحث عن كلمات التشجيع من والديه أو معلميه أو أصدقائه المقربين، أما اليوم فقد أصبح الهاتف نافذة مفتوحة على عالم كامل من التفاعل الفوري، حيث يمكن لمنشور بسيط أن يمنح صاحبه شعوراً مؤقتاً بالأهمية والقبول والانتماء.

ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الشعور إلى حاجة نفسية متكررة، فيبدأ البعض بالبحث عن أي محتوى يجذب الانتباه، وأحياناً تضخيم الأحداث اليومية أو المبالغة في وصفها من أجل الحصول على المزيد من التفاعل.

وهنا لا تكمن المشكلة في وسائل التواصل نفسها، بل في الاعتماد عليها مصدراً رئيساً لتقدير الذات والشعور بالقيمة. ومن الظلم أن نقارن هذا الجيل بالأجيال السابقة أو أن نكتفي بانتقاده، فالأطفال لم يصنعوا هذه البيئة الرقمية بأنفسهم، بل وجدوا أنفسهم يولدون في عالم أصبحت فيه الهواتف الذكية والشبكات الاجتماعية جزءاً من الحياة اليومية.

نحن من وفرنا الأجهزة، ونحن من أدخلنا التكنولوجيا إلى تفاصيل حياتنا، ونحن من سمحنا بأن تصبح المنصات الرقمية إحدى أهم أدوات التواصل والترفيه والتأثير.

لذلك فإن الحل لا يكمن في المنع المطلق أو التوبيخ المستمر، بل في التوعية والتوجيه وبناء التوازن. نحن بحاجة إلى تعزيز مصادر التقدير الحقيقية لدى أبنائنا، وتشجيعهم على ممارسة الرياضة والهوايات والأنشطة الاجتماعية والنجاحات الواقعية التي تمنحهم شعوراً دائماً بالإنجاز، بدلاً من الاعتماد على تفاعل إلكتروني قد يختفي في لحظات.

وفي هذا السياق، تُشكر دولة الإمارات على جهودها المستمرة في تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، واتخاذ الإجراءات التي تسهم في حماية النشء من الآثار السلبية للاستخدام غير المنضبط للتقنية. فبناء جيل متوازن نفسياً واجتماعياً لا يقل أهمية عن بناء جيل متفوق علمياً، لأن المستقبل يحتاج إلى شباب يمتلكون الوعي الرقمي بقدر ما يمتلكون المعرفة والمهارة.

فالطفل الذي فرح بالشوكة لم يكن سعيداً بالألم، بل بالإعجاب. وهنا تكمن الرسالة التي تستحق أن نتوقف عندها.