مفهوم الرأسمال الاجتماعي أصبح من أهم المفاهيم في العلوم الاجتماعية التي تطورت مؤخراً في التسعينيات من القرن المنصرم، ولها تطبيقات في الاقتصاد وعلم الاجتماع والسياسة. الظاهرة بلا شك قديمة مع ظهور الجماعات على وجه البسيطة. ولكن توافر الرأسمال الاجتماعي يتفاوت بين الجماعات وبين المجتمعات والتي تؤدي إلى تفاوت في النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي.

أهمية الموضوع الآن تكمن في توسع الخرق في مجتمعات كثيرة حتى تلك التي يطلق عليها متقدمة. فقد ظهرت في هذه المجتمعات حركات شعبوية لا تقبل بالقيم والتقاليد السياسية والتي ظلت شائعة في هذه المجتمعات. ومع هذه التطورات بدأ انحسار قيم التسامح والقبول بالآخر مما يهدد النسيج الاجتماعي.

ومن ضمن التطورات في هذه المجتمعات المؤسسات الاجتماعية التي كانت توفر شبكة من العلاقات الاجتماعية والسياسية تقوي من الروابط التي يتكون منها المجتمع. وهذه الروابط تكون بمثابة البنية التي تشد الأجزاء ببعضها البعض. وكلما تعاظمت هذه البنية والمؤسسات ازداد الرأسمال الاجتماعي.

وينتج عن هذه البنية قيم اجتماعية مهمة تتعلق بالثقة. وإذا سادت هذه القيمة في المجتمع ومكوناته عبدت الطريق للنمو السياسي والاقتصادي. الثقة مهمة للسياسة، حيث يستند القادة السياسيون إلى قواعد مجتمعية تمنحهم الثقة في قيادة البلاد أو البلدان أو المدن أو القرى أو المحلات. انعدام الثقة يخلق خواء يحد من قدرة القادة على تنفيذ سياستهم وبرامجهم. وتكون عملية التبادل السياسي بين القادة والجماهير العريضة عملية عالية الكلفة لانعدام الثقة لأن القائد عليه أن يمرر قراراته بالقسر.

كذلك الحال في المجال الاقتصادي، حيث تكون الثقة أساساً في التعامل التجاري بين الأفراد سواء كانوا بائعين أو مشترين. رغم أن هناك درجة من المؤسسات الضامنة للعمليات التجارية، إلا أن وجود عامل الرأسمال البشري يسهل كثيراً من المعاملات التجارية والمالية. السمعة والثقة عند بعض الأعمال والشركات تسهل عملية الاقتراض، والذي يقوم على مدى من الثقة والسمعة السوقية للأفراد والأعمال التجارية.

على سبيل المثال، الثقة التي أوجدتها الولايات المتحدة في عملتها الدولار عبر ضمان مقابل الذهب عزز من الدولار كعملة تداول. حتى حين انسحب الرئيس ريتشارد نيكسون من الذهب مقابل الدولار لم يفقد المستثمرون ثقتهم في العملة الخضراء. ولا تزال تقوم معظم التعاملات التجارية والمالية والطاقة عبر عملة الدولار حتى بعد الانسحاب من اتفاقية بريتون وودز في العام 1971.

الجمعيات المتعددة في كثير من البلدان تسهم في زيادة الرأسمال الاجتماعي. وعند زيارة ألكسيس دو توكفيل للولايات المتحدة في 1831 أعجب بقدرة الأمريكيين على التجمع في جمعيات دون تدخل من الدولة. وقد شكلت هذه التجمعات أساس التعددية الأمريكية، بل الأساس الفعلي للمجتمع المدني في الولايات المتحدة.

روبرت پتنام أستاذ العلوم السياسية الشهير بجامعة هارفرد يندب تقهقر الرأسمال الاجتماعي في الولايات المتحدة. وفي كتابه واسع الانتشار «لعب البولينغ وحيداً: انهيار وإحياء المجتمع الأمريكي»، يقول پتنام إن الحياة المدنية والرأسمال الاجتماعي في تراجع. المشاركة السياسية —أهم مؤشرات ممارسة المواطنة — على المستوى المحلي والوطني في انحدار مستمر. وقد صاحب هذا تدهور في الثقة بالحكومة الأمريكية، حيث ارتفعت نسبة انعدام الثقة بها من 30% في العام 1966 إلى 75% في العام 1992.

ويشير الكاتب إلى كفاءة الوشائج الدينية رغم تدين المجتمع الأمريكي والذي يتميز بأكبر قدر نسبياً من دور العبادة عن أي مجتمع آخر، إلا أن التدين أصبح فردياً وليس عبر المؤسسات الدينية مثل الكنائس. وقد شهد المجتمع الأمريكي انخفاضاً في الذهاب إلى الكنائس والمشاركة في نشاطات المنظمات الكنسية.

ونفس الشيء ينطبق على مؤسسات المجتمع المدني مثل النقابات والتي انخفضت عضويتها على مدى السنين. ويذكر پتنام حقيقة شيقة عن انحدار التلاحم الاجتماعي وانخفاض الرأسمال الاجتماعي: يقول إن لعبة البولينغ — ومنها استوحى عنوان الكتاب — تصاعدت كلعبة شعبية منذ عقود، إلا أن نسبة المشاركة في رابطات البولينغ انخفض بشكل ملحوظ بحوالي أربعين في المئة. هذا الانخفاض يدلل على انخفاض العصائب الاجتماعية والتي هي أساس إنتاج الرأسمال الاجتماعي.

هذا حال الولايات المتحدة في ميلادها المئتين وخمسين. وقد قيل قديماً: لكلّ زمانٍ دولةٌ ورجالٌ.