أغنية «خدري الشاي خدريه»، التي ظهرت لأول مرة في ثلاثينيات القرن العشرين، ولا تزال تسمع إلى اليوم، تعد واحدة من روائع التراث العراقي الأصيل الخالدة. ألفها الشاعر العراقي عبدالكريم علاف (1894 - 1969)، لكن البعض ينسبها إلى الشاعر محمد الحداد، والبعض الآخر ينسبها إلى الشاعر الشعبي ملا سليمان الشكرجي. أما الألحان فهي للموسيقارين العراقيين، صالح وداوود الكويتي، وغنتها أكثر من مغنية مثل: «صديقة الملاية» و«أنطوانيت إسكندر»، لكن أكثر من أجادت غناءها هي المطربة «سليمة باشا مراد» (1900 ــ 1974) زوجة الفنان الكبير الراحل ناظم الغزالي.

تقول كلمات الأغنية:

خدري الچاي (الشاي) خدريه

عيوني إلمن أخدره

مالج يابعد الروح، دومج مكدره

بعد هواي يا ناس إلمنْ آني أصبه

محّد بعد عيناه يستاهل يشربه

أحلف ما أخدره ولا أقعد اقباله

إلا يجي المحبوب وأتهنى إبْجماله

إي والله وحياتك أبد ما أخدْره

وآخذ فاس بيدي للقوري أكسره

تعكس الأغنية المكانة الرفيعة للشاي في الثقافة العراقية، وتتحدث عنه باعتباره مشروب العراقيين الأول، ورمز حسن الضيافة والتعبير عن الود.. هذا المشروب الذي اعتاد العراقيون شربه مخدراً، حيث إن تخدير الشاي مقصود به ترك أوراقه لتنضج بنار هادئة فوق الجمر، كما اعتادوا تناوله في فناجين تسمى «إستكان»، وليس في أقداح كما في البلدان الأخرى.

غير أن الحديث عن الشاي هنا يأتي في إطار قصة حب ووجد عاطفية، بطلتها امرأة بغدادية ذهب زوجها إلى البصرة للعمل فغاب طويلاً، فأوجعها فراقه واشتاقت لجلساته معها لشرب الشاي إلى درجة أنها لم تعد تستسيغ إعداده وتناوله من دونه، وحينما زارتها إحدى صديقاتها وجدتها مشغولة البال ومتكدرة إلى درجة أنها نسيت واجب الضيافة المعتاد ولم تنهض لإعداد الشاي كي يشربنه معاً. وعندما سألتها صديقتها عن أسباب كدرها وتجهمها وانشغال بالها، أجابت البغدادية ضيفتها بقولها: لمن أخدر الشاي من بعد الحبيب الغائب، وأقسمت بعدم صبه أو شربه أو الجلوس لإعداده طالما أن الحبيب غائب، بل حلفت بحمل الفأس لكسر القوري (إبريق الشاي).

والملاحظ أن نص الأغنية ليس موحداً في المصادر المختلفة، حيث تم كتابته وغناؤه بصيغ مختلفة، فقد أضيفت له أو حذفت منه أبيات مع مرور الزمن وتعدد من قاموا بغنائه من النساء دون الرجال (لأنها أغنية نسائية كون إعداد الشاي مهمة المرأة وحدها في المجتمع العراقي القديم)، لكن تم في عام 1951 غناؤها من قبل «فرقة الإنشاد العراقية» المكونة من الرجال والنساء.

ومثال ذلك أن بعضاً ممن قمن بغنائها أضفن إلى النص الأصلي جملاً مثل:

قالوا لي خدري الجاي

وشلون اخدره

وشلون اصفي الماي

وشلون أفوره

(أي كيف أنضج الشاي على النار، وكيف أصفي الماء العكر المجلوب من النهر، وكيف أغليه إلى درجة الفوران للحصول على نكهة الشاي الجيدة).

أما البعض الآخر فقد حذف أبياتاً ووضع مكانها الجمل التالية:

راح اللي يشرب الجاي

وسكن ديرة البصرة

نكر والله العشرة

(أي تركني حبيبي الذي كان يشاركني شرب الشاي، وذهب للسكن بمدينة البصرة، ناكراً، والله، ما كان بيننا من عشرة)

وهناك من غيّر فيها وكتب على لسان العاشقة البغدادية:

وبشرعي لحرّم الجاي

والولف غايب

عن الشكر والجاي

جايز وتايب

(أي لوكان لي سلطة الشرع لحرمتُ صناعة وشرب الشاي على الجميع ما دام الولف «الحبيب» غائباً، بل لابتعدتُ حتى عن مكونات الشاي مثل الشكر «السكر»).

وهناك أيضاً من أضاف في مقدمتها:

يُمّه إنباق رجلي (سُرق مني زوجي)

دادا انباق رجلي

خيّه انباق رجلي

نص الليل غطيته

قعدت الصبح ما لقيته