فمع استمرار الشركات في التوسع والاندماج، باتت بعض الأسواق أكثر صعوبة أمام دخول منافسين جدد أو حتى توسّع الشركات القائمة، وذلك نتيجة لهيمنة عدد محدود من اللاعبين الكبار، أو بسبب تفاهمات ممتدة بين مجموعة من المنافسين، أو اتفاقيات إقصائية بين شركات تعمل ضمن ذات سلسلة الإمداد.
وتكتسب هذه القضايا أهمية مضاعفة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة والعالم، في وقت أثبتت فيه دولة الإمارات قدرة عالية على الصمود والاستجابة المرنة للتحديات.
وربما لم تكن سياسات المنافسة أكثر أهمية للاقتصاد الإماراتي مما هي عليه اليوم، إذ تؤكد التطورات الحالية أن دولة الإمارات، ودبي على وجه الخصوص، مطالبة بمواصلة ترسيخ مبادئ الاقتصاد الحر وتعزيز مكانتها كبوابة عالمية للأعمال والتجارة والخدمات اللوجستية.
ووجود منشأة ذات مركز مهيمن في السوق لا يعني بالضرورة وجود مخالفة، إذ لا يجوز معاقبة أي شركة لمجرد نجاحها أو توسعها التجاري، إنما الذي يحظره المرسوم بقانون اتحادي رقم (36) لسنة 2023 بشأن تنظيم المنافسة هو إساءة استغلال المركز المهيمن، وذلك وفق إطار تشريعي صُمم بما يواكب أفضل الممارسات الدولية.
ولهذا، تبادر سلطات المنافسة في مختلف دول العالم إلى التحقيق في مثل هذه الممارسات وفرض غرامات ضخمة قد تتجاوز مئات الملايين من الدولارات، لا سيما في حالات ربط بيع منتج بمنتج آخر، أو الحد من الإنتاج والتطوير التقني، أو عرقلة توسع المنافسين في الأسواق.
فكل من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) يؤكدان أهمية إخضاع عمليات الاندماج والاستحواذ الكبرى للرقابة بهدف الحفاظ على عدالة الأسواق وتوازنها. ونتيجة لذلك، قد تشترط السلطات المختصة تنفيذ تدابير أو التزامات محددة قبل الموافقة على بعض الصفقات.
ومع ذلك، تشير الإحصاءات الدولية إلى أن غالبية عمليات الاندماج تتم الموافقة عليها دون الحاجة إلى مراجعات معمقة، وهو ما يعكس حرص الجهات التنظيمية على عدم خلق عوائق غير مبررة أمام النشاط الاقتصادي.
وتكمن خطورة مثل هذه السلوكيات في أن الأسعار لا تعود خاضعة لقوى العرض والطلب، بل تصبح رهناً بقرارات مجموعة محدودة من المتنافسين.
وفي بعض الحالات، قد يتم تخفيض الأسعار إلى مستويات خاسرة فقط لإقصاء الوافدين الجدد وإرسال رسالة مفادها أن السوق مغلق أمامهم.
وفي المقابل، قد يجد المستهلك نفسه مضطراً لتحمل زيادات سعرية لا تستند إلى مبررات اقتصادية حقيقية، وإنما تهدف فقط إلى تعظيم أرباح هذه التكتلات.
وفي عام 2019، فرضت المفوضية الأوروبية غرامة على شركة «كوالكوم» الأمريكية وصلت إلى 242 مليون يورو بسبب بيع رقائق إلكترونية بأقل من التكلفة بهدف الإضرار بمنافس بريطاني أصبح لاحقاً جزءاً من مجموعة «إنفيديا».
ورغم صعوبة إثبات هذا النوع من المخالفات قانونياً، بسبب الحاجة إلى إثبات النية، إلا أن سلطات المنافسة تلجأ في كثير من الأحيان إلى أدوات تنظيمية وتدابير تصحيحية أخرى لإعادة التوازن للأسواق.
كما تتبنى الدولة نهجاً مرناً يتيح، عند الحاجة، منح بعض الاستثناءات أو الإعفاءات التنظيمية المحددة لتعزيز التنمية الاقتصادية وتحقيق المصلحة العامة.
ودولة الإمارات ملتزمة بحماية اقتصادها ومجتمعها خلال هذه الظروف الاستثنائية، وماضية في تعزيز زخم الأسواق واستدامة النمو الاقتصادي الذي اعتادته الدولة خلال العقود الماضية.