كتب الكثير عن مذكرة التفاهم التي وقعت مؤخراً عن بُعد بين النظام الإيراني والولايات المتحدة الأمريكية، بوساطة باكستانية، لإنهاء حرب المئة يوم في الخليج العربي، وسوف تستمر الكتابة طويلاً عن ظروفها وخفاياها وملابساتها وبنودها، وسط توقعات البعض بأنها لن تصمد وستنهار عند أول اختبار حقيقي لها..
أما أسباب واحتمالات انهيارها فكثيرة، لعل أولها أن الاتفاقية موقعة بين طرفين، كل منهما لا يثق في الآخر، حيث إن التجارب والسوابق التاريخية علمتنا أن الثقة المتبادلة بين طرفي أي نزاع، شرط أساسي لنجاح أي تسوية بينهما.
وفي الحالة التي أمامنا نجد أن العداء مستحكم بين واشنطن وطهران منذ قيام ما يعرف بجمهورية إيران الإسلامية في عام 1979، لاختلاف وتناقض سياسات وقيم ومبادئ كل منهما.. ما جعلهما منذ أكثر من أربعة عقود مضت في حالة صراع دائم بأدوات مختلفة.
وهواجس وشكوك متبادلة، بل خلق لدى كل منهما نوازع انتقامية، خصوصاً وأن النظام الإيراني مارس الاعتداءات بمختلف ألوانها ضد المصالح الأمريكية في كل مكان، وهو ما اضطرت معه واشنطن للرد عبر ملاحقة اتباعه ورموزه أو عبر تشديد الحصار وتضييق الخناق عليه.
يشتكي الإيرانيون من أن الولايات المتحدة لم تظهر منذ عام 1979 أي نوايا حسنة تجاههم، بل رفعت لواء التهديد والاعتراض ضد نظامهم الجديد منذ اليوم الأول، بينما يشتكي الأمريكيون من أن نظام ولاية الفقيه الإيراني خالف كل القوانين والنواميس الدولية المتعارف عليها في العلاقات بين الأمم المتحضرة.
ولم يثبت قط التزامه بوعوده، وراح بدلاً من ذلك يمارس الخداع عبر المناورة والتسويف والدجل والبلطجة وفبركة الأخبار وقلب الحقائق وتأسيس الميليشيات لزعزعة الأمن والسلم ونشر الفتن والقلاقل، استمراراً ومواصلة لسياسة التحريض على أمريكا والغرب والدول الحليفة، المترسخة في العقيدة الإيرانية.
يقول الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الآن أنه سيحيل ما أتفق عليه مع إيران إلى الكونغرس الأمريكي لمراجعته.. وعلى الرغم من صعوبة التكهن بالنتيجة، فإن طرح الاتفاقية للمناقشة أمام المشرعين الأمريكيين المختلفين في مواقفهم من الحرب الترامبية ونتائجها، قد يفضي إلى اعتراضهم عليها أو على الأقل الاعتراض على بعض بنودها.
من جانب آخر، تشتد المعارضة الجماهيرية والشارعية في إيران ضد الاتفاقية، مدفوعة ومدعومة من قوى التطرف داخل النظام من تلك التي راحت تخوّن من تفاوض باسم إيران، وتطالب باستقالته.. وهذه الجماهير ــ بطبيعة الحال ــ تنطلق من القيم والخرافات والأساطير التي تم غرسها في رأسها.
وهناك إسرائيل التي أعلن رئيس حكومتها بنيامين نتانياهو صراحة معارضته الشديدة لأي بند في الاتفاقية ينص على الوقف الدائم لإطلاق النار على جميع الجبهات بما فيها لبنان، قائلاً، إن القوات الإسرائيلية سوف تستمر في القتال وستبقى في المناطق الأمنية في لبنان وغزة وسوريا طالما دعت الحاجة لذلك..
وهو لئن أذعن صاغراً للمطالب الأمريكية بوقف حربه على لبنان، فإن لا شيء يمنعه من معاودة الحرب في حال تحرش حزب الله بالجيش الإسرائيلي.
وإذا افترضنا أن شيئاً مما سبق لم يعترض طريق الاتفاق اليوم، وسارت الأمور على ما يرام، فإن أشياء أخرى قد تسقطها خلال مهلة الشهرين المقبلين اللذين حددا للتفاوض حول القضايا المؤجلة.
والتي تشمل ملفات جوهرية مثل: برنامج إيران النووي، وصواريخها الباليستية، ومخزونها من اليورانيوم المخصب، وأذرعتها الميليشياوية الإقليمية في الشرق الأوسط.
وهنا يتوقع على نطاق واسع أن يحدث الصدام بين الطرفين المتفاوضين، فواشنطن لن تقبل بأقل من وقف طهران تخصيب اليورانيوم كلياً، بينما الأخيرة ستصر على التخصيب كحق من حقوقها السيادية كدولة مستقلة، والشيء ذاته ينطبق على ملف الصواريخ الباليستية التي لا يمكن للنظام الإيراني التخلي عن صناعتها وتطويرها باعتبارها سلاحاً لتخويف وابتزاز دول الجوار..
أما برنامج إيران النووي الذي قيل إن طهران التزمت بوقفه كبند متضمن في الاتفاقية الموقعة، فلا يوجد ما يضمن التخلي عنه تماماً خصوصاً وأن الإيرانيين كثيراً ما نقضوا وعودهم والتزاماتهم.
وفي رأينا ورأي العديد من المراقبين أن الاتفاق الموقع فقط أوقف حرباً كشفت عما يمكن لطرفيها أن يفعلا في بعضهما البعض، وأعاد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ورفع الحصار البحري عن إيران، لكنه لم يصل إلى تسوية نهائية للصراع الأمريكي الإيراني، وإنما انتهى إلى هدنة ستكشف الأيام المقبلة مدى صمودها أو مدى حاجتها إلى هدنات أخرى.