يقال إن راعياً يُدعى «كالدي» في القرن التاسع الميلادي وفي هضاب إثيوبيا، لاحظ أن الأغنام التي تأكل حبوب شجرة معينة تظهر نشاطاً استثنائياً. لم تكن تلك الشجرة إلا شجرة البن، ولم تكن تلك الملاحظة إلا بداية لرحلة غيرت وجه التاريخ. في القرن الخامس عشر الميلادي، انتقلت زراعة البن إلى شبه الجزيرة العربية، وخاصة اليمن، ووصلت القهوة إلى مكة المكرمة، وانتشرت المقاهي، وأثارت جدلاً فقهياً واسعاً بين محلل ومحرم، كما وثقه عبدالقادر بن محمد الجزيري في كتابه الشهير «عمدة الصفوة في حِلّ القهوة»، وتغنّى بها الشعراء وتوالت عليها الألقاب، وسرعان ما تحولت المقاهي آنذاك إلى مراكز نابضة بالحياة الاجتماعية والتبادل الفكري. بحلول القرن السابع عشر الميلادي، شقت القهوة طريقها إلى أوروبا لتغير نمط الحياة لديهم، ولتصبح الصاحب الوفي وجزءاً رئيسياً من الإفطار اليومي.
هنا، في دولة الإمارات العربية المتحدة، تحولت القهوة من مجرد موروث أصيل إلى ثقافة استهلاكية، فلدينا اليوم في دولة الإمارات العربية المتحدة ما يزيد على 5000 متجر متخصص في القهوة ضمن أكثر من 27000 منشأة تدرج القهوة ضمن قائمة مشروباتها المتعددة. ويقدر حجم سوق القهوة في الدولة بأكثر من 11.5 مليار درهم سنوياً. تحتوي كأس القهوة من الحجم القياسي (250 مل) على 95-100 ملج من الكافيين، بينما يحتوي فنجان الإسبريسو 45 مل على 77 ملج من الكافيين تقريباً، أما القهوة الباردة المنقوعة 250 مل فتحتوي على 150-240 ملج من الكافيين. وتبقى «القهوة العربية الإماراتية» أقلها تركيزاً وأبهاها لوناً وأزكاها عبيراً.
بالتزامن مع انتشار المقاهي وشعبيتها عالمياً بشكل ملحوظ، نجد الخصوبة تتراجع بشكل ملحوظ جداً عالمياً ومحلياً. نمط يستدعي وقفة تأملية تحليلية نقدية متأنية، إذ تراجعت الخصوبة عالمياً من 5 أطفال لكل امرأة عام 1950 إلى 2.2 – 2.3 في 2026، بينما محلياً تراجعت الخصوبة في دولة الإمارات من 6.5 في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي إلى 1.2 – 1.3 لكل امرأة في 2025. طبعاً عوامل تراجع الخصوبة عالمياً متعددة، ومتشابكة ومتشعبة، لكن هل للقهوة أي تأثير سلبي في الخصوبة؟ قبل أن نغوص في سبر ذلك، دعونا نتعرف على رحلة القهوة أو الكافيين في أجسادنا. في الأشخاص الطبيعيين، تحتاج القهوة 30-45 دقيقة لتُمتص كلياً، بعد 4-6 ساعات يكون الجسم قد استهلك 50% من الكمية الممتصة، وبعد 10 ساعات تتخلص الكلية والكبد مما تبقى من القهوة في الجسم. أما الأشخاص ذوو التمثيل الغذائي (الأيض) البطيء، فقد تأخذ هذه الرحلة أكثر من 12 ساعة، وقد تتحول متعة الاحتساء إلى أرق مزعج في المساء.
على الرغم من أن الكثيرين يرون أن كوب القهوة في أيديهم صباحاً ومساءً دليل على التحضر ومواكبة للتوجهات التي تروج لها قنوات التواصل الاجتماعي، إلا أن الأبحاث العلمية والدراسات السريرية المنشورة (1970-2026) تشير إلى أن الإفراط في استهلاك القهوة (أكثر من 300 ملج يومياً) يؤثر سلباً في خصوبة الرجال، إذ تعمل على تراجع جودة الحيوانات المنوية من حيث التركيز والحركة، بالإضافة إلى تكسير الحمض النووي الموجود في رأس الحيوان المنوي، والذي قد يؤدي إلى فشل الإخصاب أو الإجهاض المبكر. كما رصدت بعض الدراسات القائمة على الملاحظة للأزواج الذين يخططون للإنجاب أن زيادة استهلاك الرجل للكافيين تتناسب طردياً مع طول الفترة الزمنية اللازمة لنجاح حدوث الحمل الطبيعي. ألا تفسر لنا هذه الدراسات لماذا كانت الثقافة الخليجية، المبنية على الخبرة وتجارب السنين، تنصح الشباب بالابتعاد عن شرب القهوة؟ بينما اليوم، نرى الأطفال يفرطون في شرب القهوة أمام مرأى ومسمع الوالدين دونما أي تحذير.
وتشير الدراسات أيضاً إلى أن التأثير السلبي للقهوة يتفاقم خلال فترة الحمل، فقد رُبط تناول كميات كبيرة من الكافيين ارتباطاً وثيقاً بزيادة خطر الإجهاض التلقائي. ويكفي أن نعلم أن للكافيين مخاطر واضحة على الجنين النامي، حيث يعبر الكافيين المشيمة بسهولة، ليصل إلى الدورة الدموية للجنين. ولأن الجنين يفتقر إلى إنزيمات الكبد الناضجة (وتحديداً السيتوكروم P450 1A2) اللازمة لاستقلاب الكافيين، يبقى الكافيين في جسمه الصغير الغض لفترة طويلة ويتراكم يوماً بعد يوم، وبالتالي ربما يؤثر في نمو الجنين داخل الرحم، ما يؤدي إلى انخفاض وزن المولود ومحيط رأسه. علاوة على ذلك، فقد يؤدي تعرض الجنين لمستويات عالية من الكافيين داخل الرحم إلى ظهور أعراض السحب، واضطرابات في النوم بعد الولادة بفترة وجيزة.
إخوتي القراء، عشاق القهوة «المعشوقة السمراء»، أرجو ألا يُفهم من هذا المقال أن القهوة سيئة ومضرة، كل الذي أود توضيحه بناءً على الأبحاث العلمية والدراسات السريرية أن الإفراط في شرب القهوة خطأ، وأن تقديم القهوة للأطفال خطأ أكبر، إذ إن هناك أبحاثاً كثيرة تحذر من الأمور المترتبة على تعرض الأطفال والمراهقين للكافيين ابتداءً من النوم المتأخر، وازدياد القلق والتوتر، وارتفاع معدل ضربات القلب، ناهيكم عن احتمال أعراض السحب عند التوقف كالصداع والتعب وصعوبة التركيز.
ختاماً، هل سنصحح علاقتنا مع القهوة بناءً على العلم والخبرة وبعيداً عن زيف الموضة وإغراءات قنوات التواصل الاجتماعي والشاشات الرقمية، أم نقول كما يقول الشاعر:
دَعْ عَنْكَ لَوْمِي فإِنَّ اللَّوْمَ إِغْرَاءُ ... وَدَاوِنِي بِالَّتِي كَانَتْ هِيَ الدَّاءُ