يقول أحد أصدقائي القدامى: تغيّر الجميع بعد أن تركت الوظيفة. في الأسبوع الأول كان هناك عدد أقل، بقرابة 50 %، من الاتصالات والرسائل التي تطمئن على وضعي، وفي الحقيقة لم أكن أعلم إن كانت للاطمئنان على حالي بعد التقاعد، أم أنها للاطمئنان على مستقبل المتواصلين معي عندما يأتي دورهم في نهاية المسيرة الوظيفية.

ما أزال أتذكر بامتنان شريط الذكريات الدافئ الذي يجمعني بزملاء العمل، لقد كانوا أكثر من مجرد زملاء، تشاركنا الضحكات اليومية، وأسرار البيوت، وتفاصيل الإحباط والنجاح، ومجموعات «الواتساب» التي لا تهدأ حتى في عطلة نهاية الأسبوع. ودعتهم وعناقهم الحار يملأ قلبي بيقين مطلق بأن هؤلاء هم أصدقاء العمر الذين لن تبعدهم المسافات أو الانشغالات.

بعد أقل من شهرين، تلبدت الغيوم في سماء هذا اليقين. انتبهت إلى أن هاتفي أصبح هادئاً للغاية، ورسائلهم لا تأتي إلا في المناسبات وبصيغة رسمية، وكنت أرى بالصدفة على منصات التواصل صوراً لهم وهم يجتمعون دون أن يفكر أحد في دعوتي، وتساءلت بمرارة: «هل كان كل ذلك زيفاً ونفاقاً؟ كيف تحولت تلك العشرة الدافئة إلى برود تام وكأنني لم أكن يوماً بينهم؟».

مأساة صديقي ليست فردية، بل هي النسخة المتكررة لصدمة النهايات التي يمر بها آلاف البشر يومياً. لكن أحد التفسيرات المهمة التي ينبغي ألا نتجاهلها هو أن زملاءه لم يكونوا منافقين، ولم يكن هو مغفلاً. كل ما في الأمر أنه لم يضع الأمور في نصابها الصحيح.

إن الغالبية العظمى من هذه الانطباعات لا تحدث بسبب رداءة الأشخاص، بل بسبب خطأ فادح في «إدارة التوقعات» وغياب التصنيف الصحيح لنوع العلاقة. فنحن كثيراً ما نقع في وهم الألفة الناتجة عن الجوار اليومي، نظن زميل المكتب «صديق العمر»، ونتوقع من العابرين أن يبقوا في عمق الدائرة الوجدانية. وعندما يرحل السياق أو يغيب الرابط (كاستقالة من وظيفة أو تغيير مكان العمل)، نُصدم برحيلهم الصامت ونفسره خذلاناً، والحقيقة أننا وضعناهم في المربع الخطأ!

هنا تحضرنا نظرية «أثر الجوار» الشهيرة في علم النفس الاجتماعي، والتي تدعمها بقوة نظرية عالم النفس «روبرت زايونس» المسماة بـ «أثر التعرض المحض»، حيث يرى زايونس أن مجرد تكرار التعرض لمثير معين (شخص، أغنية، لوحة) يجعلنا نميل إليه ونحبه تلقائياً. فدماغ الإنسان يرتاح للمألوف، كالوجوه التي نراها يومياً في طابور الانتظار، أو بجوار ماكينة القهوة في العمل، أو في الصالة الرياضية، فتتحول بمرور الوقت من خانة «الغرباء» إلى خانة «المألوفين» دون أن نبذل مجهوداً للتعرف إليهم، ما لم يقع استثناء مثل: انكشاف طباع منفرة، أو مواقف عدائية لدى أولئك الأشخاص.

ولا تعني هذه النظرية بالضرورة أن كل علاقة مألوفة هي علاقة سطحية، أو أن استمرارها مرهون فقط بزوال أو بقاء السياق؛ لكنها تساعدنا على فهم كيف يمكن للألفة اليومية أن تمنح بعض العلاقات شعوراً بعمق أكبر مما تحتمله طبيعتها الفعلية.

إن هذه النظرية تفسر إلى حد كبير أسباب الوقوع في فخ التظليل أثناء تصنيف العلاقات التي تقابلنا في مكان العمل. هذه العلاقات تولد وتنتعش داخل إطار أو سياق محدد (مكتب العمل، مقاعد الدراسة، النادي الرياضي وغيرها). والمصلحة المشتركة هي الرابط الذي يبقيها حية، أو التواجد اليومي الإجباري، أو وحدة الهدف المهني، ونجد أن هذه العلاقات يمكن وصفها بأنها دافئة، تفاعلية، وصادقة في لحظتها، لكنها تكونت في سياق محدد، وبمجرد زوال السياق مهما كان السبب (الاستقالة، التخرج، الانتقال)، من الطبيعي جداً أن تبرد وتتلاشى وتعود إلى حجمها الطبيعي.

لا يمكن أن نقارن هذه العلاقات أو نصنفها في مربع العلاقات الجوهرية القائمة على توافق فكري، روحي، وقيمي عميق، ولا يربط بين أطرافها مكتب واحد أو مصلحة مادية عابرة.

الصدمة النفسية تحدث عندما نقوم بـ «ترقية» علاقة زملاء العمل ونضعها في مربع العلاقات الجوهرية بقرار شخصي، كما حدث لصديقي، فعندما توقف زملاؤه عن التواصل، لا يجب بالضرورة أن يفسر ذلك على أنهم كانوا يمارسون النفاق، بل يمارسون «زمالة العمل» بحدودها الطبيعية. غياب السياق - والذي هو العمل - يعني غياب التواصل اليومي، وهذه دورة حياة طبيعية وصحية للبشر.

في النهاية، يجب أن ندرك أن خروج الأشخاص من حياتنا - أو خروجنا من حياتهم - ليس دليلاً على فشلنا الاجتماعي، فالناس يدخلون حياتنا كفصول في كتاب، بعضها قصير ينتهي بنهاية الموقف أو المكان، وبعضها يمتد طويلاً.

إن قطار الحياة يتسع للجميع، والمحطات متغيرة، شريطة ألا تتصادم العربات عند مفترق الطرق.