كل يوم يتبين أن قضية الهجرة تؤرق أوروبا، ولا يكاد يوم يمر إلا ويطالع المهتم فيه ما يشير إلى قوة هذا الأرق الذي يستبد بالقارة العجوز. ومن الواضح أن الذي أطلق على القارة الأوروبية مسمى القارة العجوز كان يقرأ مستقبلها بشكل أو بآخر، لأن التعامل مع قضية الهجرة إذا كان يختلف داخل القارة من بلد إلى بلد، فهناك خيط واحد يمتد بين الأخبار المتعلقة بهذا الشأن.

من ذلك مثلاً أن معهد الاقتصاد الألماني «آي دبليو» نشر تقريراً هذا الشهر يقول فيه إن الفجوة في القوة العاملة داخل ألمانيا سوف تصل إلى 4 ملايين و300 ألف يد عاملة، وإن ذلك سوف يتجلى على أشد ما يكون في 2036، وإن هذه الفجوة راجعة في الأساس إلى زيادة عدد كبار السن بين الألمان، قياساً على عدد صغار السن أو الذين هم في سن العمل.

مما يرصده المعهد ويتوقف عنده، أن الهجرة إلى ألمانيا تتراجع، ولا سبب لتراجعها سوى أن حكومة المستشار فريدريش ميرتس، تتبنى سياسات ضد الهجرة في العموم، وهي سياسات ورثتها عن حكومة المستشار السابق الذي خلف المستشارة أنجيلا ميركل.

ولو كانت ميركل في الحكم ما كانت الهجرة قد تراجعت على النحو الذي يرصده المعهد الاقتصادي، وما كان المعهد قد راح يحذر من الفجوة التي تلوح في الأفق والتي ستصيب سوق العمل خلال سنوات يحددها التقرير الصادر ولا يتركها لمن يخمن فيها.

كانت ميركل تتبنى سياسات منحازة إلى المهاجرين، وكنا ونحن نتابع ذلك في أيامها نتصور أنها تفعل ذلك لأسباب إنسانية، ولكن تبين أنها انحازت إليهم لأسباب عملية خالصة، وأنها كانت ترى فيهم قدرة على الإضافة لسوق العمل والإنتاج أكثر منهم عبئاً على الدولة أو على الحكومة أو بالطبع على سوق العمل.

وفي مقابل نبأ التقرير الصادر عن المعهد، قرأنا بالتوازي نبأ الاستفتاء الذي دعت الحكومة السويسرية ناخبيها إليه يوم 14 من هذا الشهر. كان الاستفتاء على عدم السماح بزيادة عدد السكان على 10 ملايين نسمة في 2050، وكان حزب الشعب السويسري اليميني هو الذي دعا إلى الاستفتاء، وكان المعنى أنه، مثل بقية الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، يقف ضد المهاجرين ويراهم عبئاً غير مطلوب ويدعو إلى الحد من مجيئهم إلى البلاد.

مما تداولته وسائل الإعلام قبل الاستفتاء وبعده، نعرف أن عدد سكان سويسرا حالياً يصل إلى 9 ملايين ومائة ألف نسمة، وأن التزايد المستمر في عدد السكان يقلق الحزب اليميني بالذات، ويقلق بقية الأحزاب بلا شك، ولكن بدرجة أقل وربما يقلق السكان أنفسهم، ولكن هذا ما سوف نعرفه من نتيجة الاستفتاء عندما يتم الإعلان عنها.

لقد سمعنا من قبل عن استفتاءات عجيبة نظمتها الحكومة السويسرية، ولكننا مع الوقت اعتدنا على الدعوات المتكررة للاستفتاءات، ولم نعد نستغرب أن يتم تنظيم استفتاء لمجرد سؤال الناس عن رأيهم في أن يتوقف عدد السكان عند حد معين لا يتعداه. ولا تزال سويسرا تتميز دون بقية دول القارة، بحرصها على أن يذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع كلما كان هناك أمر يخصهم، ومهما بدا هذا الأمر بسيطاً في نظر المتابعين خارج أوروبا.

وكما نرى فإن هناك خيطاً رفيعاً يمتد ليربط بين الاستفتاء السويسري والتقرير الألماني، وهذا الخيط هو الهجرة التي يخشاها السويسريون فيبادرون إلى تنظيم الاستفتاء إياه، أو يجزع الألمان من انحسارها، فيقرؤون التقرير الصادر عن معهدهم، ولسان حالهم يقول إن ميركل لو بقيت لفترة أطول في دار المستشارية، ما كانت بوادر الفجوة التي حذر منها المعهد قد لاحت هكذا في الأفق، حتى ولو كان الأفق بعيداً نسبياً.

كان المعتدلون في الغرب قد تفاءلوا يوم خسر فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر، سباق الانتخابات قبل أسابيع، وكان سبب التفاؤل أن حكومة الرجل كانت يمينية متشددة، وكان الأمل أن تتسبب خسارته في خسائر يمينية أخرى في أنحاء القارة، لعل هذه الموجة اليمينية المتطرفة تخف حدتها قليلاً، ولكن هذا الأمل يبدو أنه لا يزال بعيداً بعض الشيء.

كانت مصر قد وقعت اتفاقية الحريات الأربع مع السودان في 2004، وكانت الحريات المقصودة هي: التنقل، والعمل، والإقامة، والتملك، وكان القصد أن يتمتع بها الشعبان في البلدين، ولكن الظرف لم يسمح للاتفاقية بالعيش طويلاً.. وتبدو أوروبا اليوم أحوج ما تكون إلى اتفاقية مشابهة، لأن إغلاق أسوارها بالطريقة التي نتابعها ليس حلاً، وإذا كان يمثل حلاً اليوم، فالغالب أنه لن يكون كذلك في الغد، لأنه ضد طبائع الأشياء.