وقد دفعت دول الخليج العربية أثماناً باهظة لهذه الهجمات، سواء من حيث الخسائر البشرية، أو الأضرار الاقتصادية، أو كلفة الإجراءات الدفاعية التي اضطرت إلى اتخاذها لحماية أمنها واستقرارها.
لذلك فإن طرح فكرة استخدام الأموال الإيرانية المجمدة لتعويض المتضررين يفتح الباب أمام نقاش واسع حول مفهوم المسؤولية الدولية، فالقانون الدولي لا يكتفي بإدانة الأفعال التي تتسبب في أضرار للدول الأخرى، وإنما يقر أيضاً مبدأ التعويض عن تلك الأضرار متى ثبتت المسؤولية عنها.
وقد وجه وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، فريقاً مختصاً لإعداد تقييم شامل للأضرار التي تكبدتها دول المنطقة منذ بدء التصعيد، وإذا مضت واشنطن فعلاً في هذا الاتجاه، فإن الرسالة التي ستصل إلى العالم ستكون واضحة، وهي أن تكلفة الصراعات لا يجب أن يتحملها الضحايا، وأن من يتسبب في الأذى ينبغي أن يشارك في معالجة نتائجه.
. ومن يعوض الخراب الذي خلفته الصواريخ والطائرات والمسيّرات؟.. هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن الأسئلة العسكرية والسياسية، لأنها تمس حياة الناس ومستقبل الدول واستقرار المجتمعات.
ولهذا فإن القضية في جوهرها ليست قضية أموال فقط، وإنما قضية مبدأ يقول إن الاستقرار ليس مجانياً، وإن العبث بأمن الدول له ثمن، وإن احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها ليس مجرد شعار سياسي يردد في البيانات، ولكنه قاعدة أساسية لحماية الأمن الإقليمي والدولي.
وهو نقاش قد يرسم ملامح مرحلة جديدة في التعامل مع النزاعات الإقليمية إذا ما تم تحويله إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ، خاصة وأن الطرف المعتدي، الذي هو إيران، يطالب اليوم بدفع تعويضات، وهي مطالبة تتسم بعدم المنطق، إذا ما علمنا أن دول الخليج العربية لم تهاجم إيران، وتحلت بالصبر والحكمة رغم الهجمات التي تعرضت لها.
. الإجابة لا تزال رهناً بالتطورات المقبلة، لكن المؤكد أن زمن تجاهل كلفة الحروب يقترب من نهايته، وأن العالم بات أكثر ميلاً إلى البحث عن آليات تجعل من يتحمل مسؤولية إشعال الأزمات شريكاً في دفع فاتورة نتائجها..
وعندما نصل إلى هذه المرحلة، فإن الرسالة ستكون واضحة، ومفادها أنه لا أحد يستطيع أن يصدر الأزمات إلى جيرانه ثم يتنصل من تبعاتها، فلكل فعل ثمن، ولكل ضرر حساب، ولكل حساب يوم تُفتَح فيه الدفاتر.