لا تغرك عبارات الصداقة والتعاون والتضامن التي عادة ما تسبق أو تلي اللقاءات الصينية ــ الكورية الشمالية على أي مستوى، فخلفها توجد تعقيدات وتباينات كثيرة، وغموض وعتب وحساسية، وإلا لِمَ قام الرئيس الصيني شي جينبينغ مؤخراً بزيارة خاطفة ومفاجئة إلى بيونغيانغ، لملاقاة نظيره الكوري، كيم جونغ أون، وهي الزيارة الأولى له إلى العاصمة الكورية الشمالية منذ عام 2019.

لقد اعتاد زعماء الصين منذ زمن المعلم المؤسس ماو تسي تونغ، ألا يقوموا بأنفسهم بزيارة عواصم حلفائهم الموثوقين، وعند وجود قضية تستدعي لقاء على مستوى القمة، كانوا يستدعون زعماء تلك الدول إلى بلاطهم في بكين، وهم لطالما استخدموا هذا الأسلوب مع الزعيم الكوري الشمالي الحالي، كيم جونغ أون، ومن قبل مع والده وجده.

صحيح أن الصين شكلت طوال العقود الماضية الرئة التي تتنفس بها كوريا الشمالية، بدليل سيطرة الأولى على 95 % من تجارة الثانية الخارجية، وذلك في ظل ما تعانيه بيونغيانغ من عقوبات وعزلة دولية، بسبب سياساتها الرعناء، ونظامها الحديدي القمعي، وتهديد جاراتها بالباليستي والنووي.

وصحيح أن الصين كانت سعيدة وراضية بهذا الوضع، أي دوران كوريا الشمالية في فلكها بالكامل، وإبداء الطاعة العمياء لها، مقابل تزويدها بالطعام والكساء والوقود والآلات والمركبات، وكل أسباب الحياة والبقاء، تحت شعار الأخوة الاشتراكية الخالدة، غير أن هذا الأمر يبدو أنه تغير خلال السنوات الأربع الماضية.

منذ أن بدأت بيونغيانغ التقرب من موسكو، عبر تزويدها بالذخيرة وقذائف المدفعية في حرب الأخيرة ضد أوكرانيا، وصولاً إلى قرار بيونغيانغ في عام 2024، بنشر ما لا يقل عن 11 ألف جندي كوري شمالي للقتال إلى جانب القوات الروسية.

لقد أتاح هذا التطور في العلاقات بين موسكو وبيونغيانغ، حصول الأخيرة على مكافأة مالية من الروس بمليارات الدولارات، فاقت إجمالي قيمة تجارتها الخارجية لعام 2025.

والتي بلغت نحو 3.3 مليارات دولار، بل وحصولها أيضاً على تكنولوجيا الطائرات المسيرة المتقدمة، ومعدات الدفاع الجوي، والمساعدات الفضائية، والصواريخ المضادة للطائرات، وأنظمة الحرب الإلكترونية، علاوة على مفاعل نووي لغواصة.

وعلى هامش هذا التطور، توثقت علاقات البلدين بقوة، وقام الزعيم الروسي، فيلاديمير بوتين، في عام 2024، بأول زيارة له إلى بيونغيانغ منذ عام 2000، وهذا بدوره لامس جنون العظمة عند كيم، وجعله يعتقد أنه صار أكثر حرية في التصرف، ولعل ما زاده غروراً، أنه عومل في بكين على قدم المساواة مع بوتين إبان مشاركتهما في احتفالات عيد يوم النصر الصيني، في سبتمبر من العام الماضي.

لقد مثل تصريح كيم بأن مخططات بلاده النووية (المدعومة تكنولوجيا من موسكو)، لا رجعة فيها، تحدياً صريحاً وهيكلياً للصين، التي تنشد الاستقرار، ولا تريد سباقاً نووياً في محيطها، تشترك فيه سيئول وطوكيو، كي تواصل صعودها دون مآزق وانشغالات بملفات ثانوية، خصوصاً أن التصريح جاء قبيل بدء زيارة جينبيغ إلى بيونغيانغ.

أما ارتماء كوريا الشمالية في أحضان موسكو، فقد عُدّ في بكين بمثابة تمرد على بنود معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة الموقعة في عام 1961 بين البلدين، والتي تم تجديدها للمرة الثالثة في سنة 2021، علماً بأن بندها الأول ينص على تقديم مساعدات عسكرية فورية بكل الوسائل المتاحة، في حال تعرض أي من الطرفين لهجوم.

ومما لا شك فيه، أن هذه المعاهدة جعلت الصين ضامناً وحيداً لكوريا الشمالية، لكن مع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين موسكو وبيونغيانغ، والموقعة في عام 2024، أصبح لدى نظام كيم الحديدي ضامن ثانٍ.

يرى كيم نفسه اليوم غير معزول، ويجد أن بلاده صارت محل تنافس بين القوى العظمى، في ظل نظام عالمي متصدع، ويرى في زيارة جينبينغ لعاصمته تجسيداً لحرص الصينيين على صداقته، وانعكاسا لمخاوفهم من فقدانه كورقة ضغط ضد خصومهم، لتصبح هذه المخاوف أعظم رصيد يملكه.

يقول المراقبون أن كيم يخدع نفسه بهذه التصورات، لأن استراتيجية الصين الإقليمية تقوم على الاستفادة القصوى من كوريا الشمالية في مشاغبة الولايات المتحدة وحليفاتها الآسيويات، وفي هذا السياق، لا مانع عند الصينيين من امتلاك بيونغيانغ لقوة نووية وباليستية متطورة محدودة، شريطة أن تبقى دولة مطيعة عازلة، تدور في فلكهم.

وتأتمر بأوامرهم، دون تطلعات للعب أدوار خارجية أكبر من حجمها، كدورها في الحرب الروسية ــ الأوكرانية. والمفارقة هنا، ويالها من مفارقة، أن بكين شجعت كوريا الشمالية في وقت من الأوقات على نجدة روسيا لمنع انهيارها، فتعمقت الروابط بين بيونغيانغ وموسكو، بشكل بات يهدد نفوذ الصين السياسي في روسيا من جهة، وهيمنة الصين على قرارات كوريا الشمالية من جهة أخرى.