أرسل إليّ صديقي عبدالباري رسالة متداولة على تطبيق واتساب مفادها أن رجل أعمال إيرانياً أشار إلى أن بلاده خسرت سوقاً ضخمة وبنية تحتية عالمية كانت تخدم تجارتها بكفاءة عالية، وأن جزءاً من هذه الخسارة ارتبط بالتوترات والاعتداءات على دولة الإمارات وما تبعها من تغيّر في مسارات التجارة. وبعيداً عن دقة نسب هذا الحديث من عدمه، فإن الفكرة التي يطرحها تستحق التوقف والتأمل.

فالسؤال الأهم ليس في صحة التصريح، بل في الدرس الذي يعكسه: كيف يمكن لمنظومة اقتصادية أن تتحول خلال عقود إلى مركز أساسي في حركة التجارة الإقليمية والعالمية، بحيث يصبح فقدانها أو تعطيلها حدثاً مؤثراً بهذا الحجم؟

من السهل أن تهدم جسراً، ومن السهل أن تعطل ميناء، ومن السهل أن تطلق تهديداً أو تصريحاً سياسياً حاداً، لكن ما ليس سهلاً أبداً هو أن تبني مدينة تجارية عالمية، وما ليس سهلاً هو أن تقنع آلاف الشركات وملايين المستثمرين بأن هذا المكان يستحق ثقتهم. فالمراكز الاقتصادية الكبرى لا تُبنى بالخرسانة، ولا بالموانئ، ولا بالمطارات وحدها، بل عبر سنوات طويلة من الاستقرار والالتزام وبناء الثقة.

ولهذا أخطأ كثيرون في قراءة تجربة الإمارات؛ نظروا إلى الأبراج ولم يروا المنظومة، نظروا إلى الموانئ ولم يروا شبكة العلاقات، نظروا إلى الأرقام ولم يروا العقود الطويلة التي صنعت هذه المكانة.

والواقع أن دبي لم تكن مجرد مدينة تجارية، بل تحولت عبر عقود إلى واجهة عالمية للتجارة، ومدينة تربط الشرق بالغرب، ومركزاً لإعادة تصدير وخدمات لوجستية حتى باتت عقدة رئيسة في حركة التجارة الدولية.

هذا التحول جاء نتيجة رؤية مبكرة وقيادة رشيدة أدركت أن الاقتصاد لا يُبنى بالانغلاق، بل بالانفتاح وبناء الثقة العالمية، فكانت دبي مشروعاً طويل المدى يقوم على جعلها نقطة التقاء لا ساحة صراع. ورغم ما شهدته المنطقة من توترات، بقيت دبي محافظة على موقعها، مستندة إلى اقتصاد مفتوح وسوق عالمي متنوع يجعل تأثير الاضطرابات السياسية محدوداً على حركتها التجارية.

فهي ليست سوقاً محلياً ضيقاً، بل جزء من شبكة عالمية مترابطة، وهذا ما يمنحها قدرة على الاستمرار بثبات حتى في فترات التوتر. وفي المقابل، تكشف التجارب أن إعادة بناء الثقة بعد التوترات ليست سهلة. فالثقة ليست قراراً سياسياً، بل رصيد يتراكم عبر الزمن، وقد يتآكل سريعاً لكنه لا يعود بسهولة.

ولهذا يبقى الدرس الأهم أنّ ما يُبنى في عقود من الثقة والانفتاح لا يمكن تعويضه في قرارات أو صدمات قصيرة، وأن المراكز الاقتصادية الكبرى لا تُقاس بما تملكه من بنية تحتية فقط، بل بما تملكه من ثقة عالمية متراكمة. فبناء البديل أصعب من الاستهداف، لأن الاستهداف لحظة.. أما البناء فزمن.