بين الأخبار المتلاحقة هذه الأيام، وجدت نفسي أستعيد مشهداً من مسلسل قديم يعود إلى أواخر الثمانينات. لا أتذكر أسماء الممثلين ولا عدد الحلقات، لكنني أتذكر رجلاً أعمى يتجول في الأسواق وهو يردد: «اصفعني وخذ ديناراً». كان ذلك بطل مسلسل «الندم» أو كما قد يتذكره البعض «جزيرة البركان».
تحكي القصة عن رجل اسمه حسن، أغراه المال حتى قبِل بمقايضة لم يكن يدرك حقيقتها. قيل له إنه يستطيع أن ينال ثروة وجاهاً لا يحلم بهما، لكن الثمن كان قاسياً؛ أن يتنازل عن نور عينيه. ظن أن المال قادر على تعويض كل شيء، فوافق.
حصل على ما أراد، لكنه اكتشف متأخراً أن بعض الخسائر لا يعوضها مال، وأن الإنسان قد يملك الكثير ثم يكتشف أنه فقد ما هو أثمن منه. لم يتوقف الأمر عند البصر، بل امتد إلى أهله وحياته واستقراره، حتى انتهت به الحال نادماً يطوف بين الناس، باحثاً عن عقوبة يوقعها بنفسه على نفسه.
وأنا أقرأ الأخبار هذه الأيام، لم أتذكر القصة كلها، بل تذكرت تلك العبارة تحديداً، ففي منطقتنا، ومنذ شهور بل سنوات، تتعرض دول ومصالح واقتصادات وممرات تجارية لاعتداءات متكررة: صواريخ هنا، ومسيرات هناك، وقرصنة في البحر، وميليشيات تعبث باستقرار الدول، وأموال تُستنزف لمعالجة آثار ما يحدث.
ومع ذلك، يبدو أحياناً أن بعض الأطراف لا تكتفي بتجاوز ما حدث، بل تمضي إلى طاولات الاسترضاء وبروتوكولات الاستقبال كأن شيئاً لم يكن، بل إن بعض الأخبار الأخيرة دفعتني إلى استحضار تلك العبارة القديمة من جديد: «اصفعني وخذ ديناراً».
ولست أتحدث هنا عن الحكمة أو الدبلوماسية أو السعي إلى السلام، فهذه أمور تحتاجها الأمم والمجتمعات، لكن السلام الحقيقي لا يقوم على تجاهل الحقائق، ولا على مكافأة من يصنع الأذى، ولا على إقناع النفس بأن ما حدث لا يستحق التوقف عنده. فبعض الخسائر لا يصنعها الخصم وحده، وإنما تبدأ يوم نقنع أنفسنا بأن ما لا ينبغي قبوله يمكن التعايش معه.
وبعد كل هذه السنوات، ما زالت تلك العبارة عالقة في الذاكرة، ربما لأنها تذكرنا بأن التنازل لا يبدأ دائماً بخسارة كبيرة، وإنما بخطوة صغيرة نقبلها، ثم نعتادها، ثم نستغرب بعد ذلك كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه.