أمسكت بالقلم ذات يوم لأكتب موضوعاً ما ككاتب صحافي، فجلست أفكر ماذا أكتب وكيف أكتب؟ ويا ترى هل ما أكتبه يرضي كل الناس؟.
ثم قلت في نفسي، وهل أنا أكتب لأرضي الناس، أم أكتبه للتاريخ، وبما يمليه عليّ ضميري الحي، وضمائر الناس أتركها للناس ولكل وجهة.
نعم.. السلبيات كثيرة والإيجابيات كثيرة أيضاً، لكن لا مقارنة بين السلبيات وبين الإيجابيات، والمصلح لا يعالج السلبيات بسلبيات أخرى، والناس يتوقعون من الكاتب المدح دائماً والإطراء دائماً.
وهذه الظاهرة، مع الأسف، تنمّ عن صفة مذمومة في الناس، هي أقرب إلى الطبع النرجسيّ، الذي يعرّف في علم النفس بأنه اضطراب في شخصية الإنسان، أو النفسية المتشبعة بحب «الأنا» الفرويدية، التي تفسر بأنها حبّ الذات، و«الأنا» الكبيرة هذه تعرف بجنون العظمة.
أعتقد أن هناك تشابهاً كبيراً بين النرجسية وبين الغرور، فصاحب هذا الطبع يرى نفسه معصوماً، وينتظر من الناس أن يقدسوه، لأنه يرى نفسه بمنظار نفسه، وقديماً قال الشاعر:
مَثلُ الجاهــــــــــل في إعجــــــــــــــابهِ
مَثلُ الناظر من أعلى الجبلْ
ينظرُ الناسَ صِغــــــــــارا وهْو في
أعيُن الناس صغيـــــراً لم يزلْ
إنني ككاتب عندما أكتب، لا بد أن أتناول موضوعاً معيّناً، أو أتحدث عن عمل معين قام به شخص مّا، وهذا الموضوع أو هذا العمل لهذا الشخص، إذا كتبتُ عنه بإيجابيات هو لا يستحقها، عُدّ ذلك مني نفاقاً أو مجاملة أو جهلاً، وهذا لا يليق بي، وأنا أعرض عقلي على الناس، وأنتظر أن يقيموني من خلال مقالي.
وإذا كتبت بأسلوب سلبيّ كلّه، فلا يقبله مني الناس، ذلك قبل الشخص المعني، إذ لا يمكن أن يكون الموضوع أو الشخص خالياً من الإيجابيات تماماً.
إذن أكتب ما أريد، بشرط أن أتصف بصفات الكاتب المنصف، فأبدأ بذكر بعض الإيجابيات لذلك الموضوع أو ذلك الشخص، ثم أذكر السلبية أو السلبيات بأسلوب نقدي راقٍ، بعيد عن التجريح.
وإنني أطلب من قراء المقال، أيّ مقال، ألا يعتقدوا أن ذلك المقال موجّه إليهم مباشرة، وليس بالضرورة أن يرفع سينٌ من الناس يده إلى رأسه، ليتلمس الريشة، ثم يقول أنا المعنيّ.
أقول، لقد وصلنا إلى مرحلة أن الكلّ يدّعي الكمال، ولم نترك شيئاً لربّ الكمال، والكل يفتي في المدينة، ومالك في المدينة بين أظهرنا، على حدّ قول الشاعر:
كلّهم في الهوى يزيّن دينَهْ
ألفُ مُفتٍ ومالكٌ في المدينهْ