جاء شهر يونيو وجاء الطقس الحار معه، وليس هذا غريباً على كل حال، لأن بداية الصيف فلكياً تظل في الحادي والعشرين من هذا الشهر نفسه، وبالتالي فالطقس الحار في بدايته يأتي وكأنه بوادر الصيف التي تهل على الناس، ولكن الغريب أن يكون الطقس الحار في أول يونيو بل وفي مايو من قبله، جزءاً من طقس فصل الربيع الذي نعرفه.. فهذا الفصل هو السابق مباشرة على فصل الصيف، وعندما نخرج من الشتاء في الحادي والعشرين من مارس فإننا ندخل الربيع، ونظل ننتظر أن يكون اسماً على مسمى، غير أن تقلبات المناخ في سنواتنا المنقضية تقول إن ما كان العالم ينتظره بهذا الشأن صار وكأنه شيء من الماضي.

إننا نتابع وقائع الطقس الربيعي في أوروبا هذه الأيام، فلا نكاد نصدق ما نتابعه، وإلا فكيف يصدق المرء منا أن درجات الحرارة اللاهبة في بريطانيا مثلاً لم تشهد لها البلاد مثيلاً منذ عام 1900!

وما قيل عن بريطانيا قيل أكثر منه عن فرنسا، ورأينا بأعيننا فرنسيين يلقون بأنفسهم في الماء من شدة الحر، وقرأنا أن أعداد المسنين الذين يمكن أن يلحق بهم الضرر بسبب هذا الطقس كبيرة تزيد على عشرة آلاف!

في المقابل لم يشأ الطقس الحار أن يعبر من الشاطئ الشرقي للمحيط الأطلسي حيث تقع القارة الأوروبية، إلى شاطئه الغربي حيث تقع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن هذا لم يمنع أن ترتفع درجة حرارة الطقس السياسي أمريكياً إلى مستوى ملحوظ بالعين المجردة.

ولقد تجلى ذلك في القرار الذي أقره مجلس النواب الأمريكي، قبل أربعة أيام، داعياً فيه إلى وقف العمل العسكري ضد إيران.

وقد جاءت موافقة مجلس النواب على قرار كهذا، وكأنها إيذان بتسخين الأجواء السياسية في الطريق إلى الانتخابات النصفية للكونجرس بمجلسيه في نوفمبر، وهي الانتخابات التي كلما طالع الرئيس الأمريكي شيئاً عنها راح يتحسس مكتبه البيضاوي أمامه في البيت الأبيض.

التسخين السياسي لم يكن في مجرد صدور قرار كهذا عن مجلس النواب، ولكن التسخين مرجعه إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يخرج فيها قرار بهذه الصيغة وبهذا المعنى عن مجلس يمتلك الجمهوريون الجالسون في مقاعد الحكم أغلبية فيه.

فإذا سأل أحد كيف يمتلكون أغلبية فيه ثم يخرج عنه قرار يحرجهم هكذا ويضعهم فيما يشبه المأزق؟ فالإجابة سنجدها في تفاصيل صدور القرار وهي تفاصيل تقول إن جميع الديمقراطيين في المجلس أقروا القرار ووافقوا عليه، وأن أربعة أعضاء جمهوريين انضموا إليهم، فتشكلت أغلبية أقرت القرار ومررته.

لن ينزعج الرئيس ترامب من موافقة الديمقراطيين على القرار، بقدر ما سوف يزعجه للغاية إقدام أربعة من حزبه الجمهوري على التضامن مع الديمقراطيين والجهر بذلك على الملأ، وعدم الخشية من إعلان أسمائهم ولا من إعلان أسماء الولايات التي ينتمون إليها ويمثلونها في المجلس.. فالديمقراطيون يجلسون في النهاية في مقاعد المعارضة، ويعملون طول الوقت على أن يعودوا للحكم، ومن الطبيعي أن يكون هذا هو خطهم الواضح السياسي في مجلس النواب، وأن يوظفوا أي شيء يجدونه بين أيديهم لإحراج ترامب وحزبه وإدارته أمام جمهور الناخبين الذي ستكون له كلمة الفصل حين يأتي موعد السباق في نوفمبر.

أما أن يخرج أربعة من الجمهوريين على ما يراه ساكن البيت الأبيض ويجاهروا بخروجهم، ثم لا يجدون حرجاً في أن يفعلوا ذلك، فهذا لا بد أنه يؤرق الرئيس ترامب جداً، وسوف يجعله يقوم وينام في حين أن هاجس الانتخابات النصفية يلاحقه ولا يفارقه.

إن خسارة حزبه الأغلبية في الكونجرس خلال سباق نوفمبر سيخلع عليه في مكتبه البيضاوي تلك الصفة الشهيرة التي قيلت عن رؤساء سابقين، وسوف تقال فيما يبدو عنه إذا مضت الأمور سياسياً كما تمضي هذه الأيام بين الناخبين؛ فلقد جرت العادة على وصف الرئيس الذي يفقد حزبه الأغلبية في الكونجرس بأنه: بطة عرجاء!

والمعنى أنه بفقدان الأغلبية يصبح مثل بطة تحجل على إحدى قدميها، فلا تعرف كيف تتوازن مشيتها فوق الأرض، والمعنى أيضاً أن أي رئيس في البيت الأبيض لا يتصرف سياسياً بقلب جامد، إلا إذا كان يمتلك أغلبية في الكونجرس، فإذا فقدها عاد عاجزاً عن التصرف بالحرية نفسها التي كان يتصرف بها وقت أن كانت أغلبيته في جيبه.

سوف نكون على موعد من هنا إلى نوفمبر مع طقس سياسي متقلب في بلاد العم سام، وسوف تكون سياسات الرجل الجالس في بيته الأبيض هي المحرك لهذا الطقس السياسي، وهي التي ستجعله إما يعتدل أو يزداد حرارة وسخونة، فالحرارة ليس من الضروري أن تكون في الجو وحده، والسخونة من الممكن أن تكون بين الناخبين أكثر منها بين الهاربين إلى الشواطئ أو الباحثين عن نسمة مرطبة في الهواء.