في الوقت الذي أدركت فيه دول العالم المتجاورة جغرافياً في فترة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أهمية العمل على التعاون والتشارك من أجل الحفاظ على استقرار إقليمها سياسياً مثل الاتحاد الأوروبي، وبعضها من أجل النهوض التنموي لشعوبها، فركزت على الجوانب الاقتصادية، كما حدث مع دول شرق آسيا (الآسيان).
هذا التوجه الدولي سببه أن دول العالم عانت في الحربين العالميتين كثيراً، بفعل الأنظمة الشمولية، ووجدوا في التحالفات نوعاً من التوازن والردع، كما وجدوا في التعاون التنموي جانباً من تحفيز الأمن الجماعي.
ومع أن هذا النوع من الأنظمة شديدة الحدة، مثل نظام هتلر أو نظام موسوليني، كان قد اختفى من العالم بعد الهزيمة التي مني بها، إلا أن الثورة الإيرانية أعادت ذلك الشمولي بفكر أيديولوجي ديني، الذي جاء في عام 1979 تقريباً، بنفس الطموحات التوسعية، ونفس الكراهية لدول الجوار.
فقد انفرد النظام الإيراني في عدم التعاون والتشارك مع إقليمه العربي، من منطلق الغطرسة التاريخية، والفوقية السياسية، والتركيز فقط على التفكير في تصدير «ثورته»، التي تسببت في صدام مستمر مع الجوار، ولاحقاً مع المجتمع الدولي، بفعل تضخيم طموحاته التي دفعت به إلى التمدد والتدخل في شؤون جواره الجغرافي، وإلى التركيز على التسلح بصواريخ بعيدة المدى، بدلاً من العمل على خلق نوع من الثقة السياسية، وبناء حسن نية.
ومن يومها اختارت العقلية السياسية الإيرانية أن تحول واحدة من أهم الأقاليم الجغرافية في الاستراتيجية العالمية، إلى مكان للمعاناة الإنسانية، وبيئة ولادة للأزمات وكوارث، بالتهديد المستمر بإغلاق مضيق هرمز، وتهديد جواره بالعدوان، لدرجة أن المجتمع الدولي بدأ يفكر في كيفية وضع حد لهذه المغامرات.
هنا، وجب تذكير بعض العرب، دولاً وأفراداً، الذين ما زالوا يتصورون أن التعامل مع «النظام في إيران» فيه نوع من تبادل العواطف الدينية أو الثقافية مع أن أغلب مجتمعاتنا العربية، إن لم تكن كلها، دفعت ثمن هذا الطموح الإيراني المتضخم مع مرور الوقت، كما ذكر ذلك معالي الدكتور أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس دولة الإمارات، مؤخراً.
ومن باب التذكير أيضاً، فإن هذا النظام الإيراني نفسه هو من كان يتآمر على الدول العربية والإسلامية مع القوى الإقليمية، إسرائيل والدولية الولايات المتحدة الأمريكية، سواءً في إسقاط نظام طالبان في أفغانستان، أو احتلال العراق، وهو من تسبب في الهجوم الإسرائيلي على جنوب لبنان، وفي خسارة الفلسطينيين للكثير من مكتسباتهم السياسية لقضيتهم العادلة، وفي تهجير الشعب السوري.
واهم من يعتقد من العرب أن الثورة الإيرانية فيها شيء من المبادئ والإنسانية، فالقائمون عليه يكيفون أنفسهم مع المتغيرات الدولية على حساب الجوار.
ويستطيع هذا النظام أن يتنكر على من يخدمون مصالحه من بعض مواطني الدول العربية أو يدافعون عنه. ومن يعتقد أنه مندهش من العدوان الإيراني المتكرر على الدول الخليجية، أو يحاول أن يشكك في نوايا إيران العدوانية على الجوار العربي، فهو لم يتعلم من الدروس الماضية التي مرت على المنطقة، أو أن وطنيته فيها شيء من عدم التوازن والثبات، وتحتاج إلى المراجعة، كما هي السياسات العربية التي تحتاج إلى المراجعة أيضاً.
السلوك الواقعي المفروض من الدول العربية تجاه النظام الإيراني، ينبغي أن يكون موحداً في التعامل معه، وإلا فإن تمادي طهران مع هذه الدول، وفي مساعي تخريب استقرارها، سيستمر، وبقوة.
ويخطئ أي عربي يعتبر أن النظام الإيراني يمكن أن يكون لطيفاً مع بلاده، أو يمكن أن يتعامل معه بندية سياسية، بخلاف تعامله مع دول أخرى، لهذا، ينبغي ألا ينظر أحدنا إلى عدوانية النظام الإيراني بنظرة مختلفة، وإلا سيكون الأمر كمن يكرر نفس التجربة بنفس الأدوات، فتكون النتيجة هي نفسها: خاطئة!