في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان تحولات اقتصادية كبرى بفعل طفرة الذكاء الاصطناعي عالمياً، وحماس المستثمرين حول العالم للاستثمار في هذا المجال الواعد (إنفيديا الأمريكية قررت استثمار 150 مليار دولار سنوياً في تايوان مثلاً)، وهيمنة شركات هذه الدول الناهضة على كبريات شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية مثل تي إس إم سي (TSMC) التايوانية، وسامسونغ الكورية، ورابيدوس وكوكيا اليابانيتين.
ففي تايوان ارتفعت أسهم شركة (TSMC) هذا العام بنسبة 42% من المؤشر القياسي للبلاد الذي ارتفعت قيمته السوقية اليوم إلى نحو خمسة تريليونات دولار أمريكي، وهذا يعني أن موقع تايوان في الصدارة، وأن ازدهارها لا يمكن إيقافه طالما استمر زخم الطلب على الذكاء الاصطناعي، بدليل أن أرقام الصادرات تؤكد ذلك.
حيث ارتفع إجمالي الصادرات هذا العام بنسبة بلغت 47.8% عن العام الماضي. ومن ضمنها نمو بنسبة 40.5% في تصدير الرقائق الإلكترونية، ونمو بنسبة 84% في تصدير الآلات والمعدات الكهربائية.
وبعبارة أخرى يمكن القول إن تايوان، الصغيرة مساحة وسكاناً، صارت واحدة من أبرز المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي، وأصبح نموها وثروتها مرتبطين ارتباطاً وثيقاً بالطلب العالمي على الرقائق وأجهزة الذكاء الاصطناعي.
وهذا بدوره حوّل هذه السلعة إلى قلب نابض لاقتصاد تايوان التي باتت تجني قيمة مضافة في كل مرة يُحسّن فيها العالم قدراته الحاسوبية والرقمية. إذ حقق اقتصاد تايوان نمواً هائلاً بنسبة 13.7% في الربع الأول من العام الجاري، وهو أسرع معدل نمو له منذ عام 1987.
وفي كوريا الجنوبية، نجد ديناميكية مماثلة ونمواً اقتصادياً مشهوداً بدليل ارتفاع مؤشر كوسبي هذا العام ارتفاعاً ملحوظاً بلغت نسبته 90%، بفضل عملاقي صناعة الرقائق الإلكترونية: شركتي إس كيه هاينكس (SK HYNIX) وسامسونغ إليكترونيكس اللتين حققتا قفزة بنسبة 215% و149% على التوالي.
ومما لا شك فيه أن هذا التطور يمنح رئيس البلاد «لي جاي ميونغ» فرصة طال انتظارها لإنقاذ البلاد من حالة الركود وتنفيذ تعهداته بسياسة مالية توسعية جريئة لدعم الأسر والشركات. ويمكن القول إن أكبر المستفيدين من هذا التطور هو «صندوق المعاشات التقاعدية الوطني».
والمعروف أن أصول هذا الصندوق ارتفعت من 805 مليارات دولار في عام 2024 إلى 970 مليار دولار في العام الماضي، ووصل اليوم إلى نحو 1.2 تريليون دولار.
أما اليابان، ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين، فقد شهدت انتعاشاً ملحوظاً بسبب استفادة المصارف وشركات الإليكترونيات ومنتجي الآلات من زخم سوق الذكاء الاصطناعي، بدليل ارتفاع مؤشر نيكاي 225 (المؤشر الرئيسي والأكثر شهرة لسوق الأسهم اليابانية) إلى مستويات قياسية تجاوزت 67000 نقطة.
وبعض الفضل في هذا الانتعاش الاقتصادي يُعزى إلى رواج استراتيجية يولو (YOLO) الاقتصادية والاجتماعية التي أطلقها جيل الشباب، ومحورها إنفاق الدخل على السفر والتمتع بالحياة واكتساب التجارب، ورفض العمل الإضافي المرهق، وتحقيق توازن أفضل بين الحياة والعمل، بدلاً من الادخار والاستثمار في العقارات الذي كان يميز الثقافة اليابانية.
ويرى بعض المراقبين أن عدم تأثر سوق الذكاء الاصطناعي في اليابان كثيراً بتداعيات الحرب الإيرانية هو ثمرة سنوات من إصلاحات حوكمة الشركات وتحسين القدرة التنافسية وسياسات التوازن المثالية القائمة على تضخم معتدل وخروج سلس من سياسة أسعار الفائدة السلبية من قبل بنك اليابان المركزي.
يبقى أن نشير، إلى أن بعض المراقبين المتشائمين حذر من مشكلة التفاؤل المفرط، قائلاً ما مفاده أن أي سوق لا يرتفع إلى الأبد، ومآله الهبوط، وأن هذا قد ينطبق على سوق الذكاء الاصطناعي المنتعش حالياً. ولإثبات صحة نظريته، أشار هذا البعض إلى ما حدث في أعقاب طفرة الراديو في العشرينيات، وجنون الإنترنت في سبعينيات القرن العشرين من انهيارات ووصول أسواق الأسهم إلى حافة الهاوية.
ونختتم حديثنا بالقول إن على تايوان واليابان وكوريا الجنوبية أن تستفيد من الزخم الناجم عن نمو الطلب على الذكاء الاصطناعي لجهة تنويع محركات النمو الاقتصادي بعيداً عن الصادرات نحو الطلب المحلي، وهذا يتطلب، بطبيعة الحال، تنشيط إصلاحاتها وإعادة هيكلة نماذجها الاقتصادية.
وذلك تفادياً لأي خلل في سلاسل التوريد العالمية جراء أحداث سياسية فجائية مثل الحروب وتعطيل حركة الملاحة الدولية من جهة، وبالنتيجة تفادي أي تباطؤ في قطاع الذكاء الاصطناعي قد تنهار معه التقييمات الحالية فيتسابق جراءه المستثمرون إلى بيع أسهمهم للعودة إلى الأوضاع الاقتصادية السابقة من جهة أخرى.