إن أخطر ما يحيط بالوطنية أن تتحول من قيمة عليا إلى قناع، ومن عهد أخلاقي مع الوطن إلى وسيلة للتموضع، ومن ولاء نقي إلى خطاب انتقائي يرفعه البعض حين يخدم مصالحهم، ويغيب حين تتطلب المواقف تضحية صادقة في سبيل المصلحة الوطنية العليا. فالوطنية ليست مفردة جميلة في الخطاب، ولا شعاراً يزين المجالس، ولا أداة عبور إلى المناصب والمكاسب الشخصية الضيقة؛ إنها امتحان يومي للضمير، وسلوك مسؤول، وصدق انتماء، واستعداد دائم لأن يتقدم الوطن على الذات والتضحية من أجله، وأن تسمو رايته فوق كل حساب ضيق.

الوطنية الحقيقية تبدأ من يقين راسخ، أن المصلحة الوطنية العليا فوق كل مصلحة مهما كان نوعها. فوق الطموح الشخصي، وفوق الولاءات الحزبية المشؤومة، وفوق العلاقات والمجاملات والحسابات الآنية.

والمصلحة الوطنية العليا ليست عنواناً مجرداً؛ إنها أمن الدولة واستقرارها، ووحدة مجتمعها، وهيبة مؤسساتها، وسيادة قانونها، وسمعتها بين الدول، واستدامة منجزها، وثقة المواطن بمشروعه الوطني وقيادته ومؤسساته.

ولذلك، فإن الوطنية لا تُقاس بكثرة الكلام عن الوطن، وإنما بصدق العمل من أجله. فقد علّمنا المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أن الإنسان هو أساس البناء ومحور النهضة، حين قال:

«إن المواطن هو الثروة الحقيقية على هذه الأرض وهو أغلى إمكانات هذا البلد». هذه العبارة ليست مجرد قول مأثور، إنها فلسفة دولة؛ فالمواطن في فكر زايد ليس رقماً في التنمية، وإنما روحها وغايتها وأداتها، ولا قيمة للوطنية إن لم تتحول إلى عمل مخلص يحفظ الإنسان، ويصون الاتحاد، ويرفع شأن الدولة.

وفي دلالة أخرى عميقة، قال المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: «إن الثروة ليست ثروة المال بل هي ثروة الرجال، فهم القوة الحقيقية التي نعتز بها». وهذه الرسالة تختصر جوهر الوطنية الصادقة؛ فالأوطان لا تنهض بالانتهازيين، ولا تقوى بالوصوليين، ولا تحفظها الشعارات العابرة.

ومن هذا الإرث المؤسس، يواصل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ترسيخ الوطنية بوصفها منهجاً عملياً لا عاطفة مجردة، حين قال سموه: «تعلمنا من زايد أن حب الوطن عطاء وتضحية وليس كلاماً وشعارات».

هذه الكلمات تمثل ميزاناً دقيقاً للوطنية الحقة، حب يترجم إلى تفانٍ، وانتماء يتحول إلى عمل، وولاء يثبت بالفعل قبل القول، وخدمة لا تنتظر ضجيجاً ولا تصفيقاً.

هنا يتضح الفارق الجوهري بين الوطني الحق والوصولي المتخفي بثوب الوطنية. الوطني الحق يخدم وطنه في السر والعلن. أما الوصولي فيستدعي الوطن حين يحتاج إلى موقع، ويرفع مفردات الولاء حين يبحث عن منفعة، ويوظف الخطاب الوطني ليصنع صورة لنفسه لا ليخدم مشروع الدولة. الأول يرى نفسه جندياً في مسيرة الوطن، والثاني يرى الوطن ممراً إلى ذاته.

والوطنية لا تلتقي مع الحزبية حين تتحول الحزبية إلى ولاء موازٍ، أو اصطفاف يقدم الجماعة على الدولة، أو مصلحة الفئة على وحدة المجتمع. فالدولة الوطنية الجامعة لا تقوم على الولاءات المتناثرة، وإنما على وحدة البيت الداخلي، والالتفاف حول القيادة، والثقة بالمؤسسات، واحترام القانون، وتقديم المصلحة الوطنية العليا على كل نزعة شخصية أو فئوية.

خدمة مؤسسات الوطن من أرقى صور الوطنية؛ لأن المؤسسات هي جسد الدولة المنظم، وذاكرة المنجز، وأداة التنمية، ودرع الاستقرار. من يخلص لمؤسسته يخلص لوطنه، ومن يحافظ على سمعتها يحافظ على رصيد الدولة، ومن يرفع كفاءتها يسهم في تعزيز تنافسية الوطن ومكانته.

لذلك، فإن الموظف النزيه، والمعلم المخلص، والجندي الساهر، والطبيب الأمين، والإعلامي المسؤول، والباحث المجتهد، جميعهم يمارسون الوطنية في العملية اليومية، كل من موقعه.

والوطنية كذلك وعي يحمي المجتمع من الاختراق، والكلمة من الانزلاق، والمنصات من العبث، والمؤسسات من التشويه، فليس وطنياً من يضعف الثقة العامة، أو يضخم الأخطاء لخدمة ذاته، أو يزرع الشك في المنجز، أو يقدم مصلحته على مقتضيات المسؤولية. الوطني يعالج بوعي إن اقتضى الأمر، ويقترح بحكمة، ويبني ولا يهدم، ويصحح ولا يشمت، ويحمل هم الدولة لا هم صورته أمام الناس.

والتاريخ يقدم لنا شواهد لا تخطئها البصيرة؛ فالإمبراطورية الرومانية لم تضعف في لحظة واحدة، وإنما حين تحولت الدولة إلى ميدان لصراع الطموحات الشخصية وتغوّل النفوذ على حساب الوطن، فانتهى ذلك إلى حروب أهلية أضعفت روحها.

كما أن جمهورية فايمار في ألمانيا لم تسقط بسبب أزمة اقتصادية وحدها، وإنما حين استغلت التيارات المتطرفة الخوف والغضب، وحولت الوطنية إلى خطاب تعبئة واستقطاب، حتى ضعفت الثقة بالمؤسسات وفتحت الفوضى الطريق لصعود أخطر أشكال التطرف السياسي.

وفي لبنان، كشفت الحرب الأهلية الممتدة بين عامي 1975 و1990 أن تغلب الولاءات الطائفية والميليشياوية على الولاء الوطني يهدد الدولة في وحدتها ومؤسساتها.

وفي المقابل، تقدم تجربة الاتحاد الصلب لدولة الإمارات عام 1971 درساً مضيئاً في الاتجاه المعاكس؛ حين انتصرت إرادة الاتحاد، وتقدمت الوطنية الجامعة على الحسابات الضيقة، فتحولت الرؤية إلى دولة، والوحدة إلى مؤسسات، والانتماء إلى مشروع وطني راسخ قوي الأركان والبنيان.

لقد بلغت الإمارات مكانتها برؤية قادة أخلصوا للوطن، وإرث مؤسس، ووحدة شعب، ومؤسسات راسخة، وعمل لا يعرف المستحيل. ومن الوفاء لهذا النموذج أن تكون الوطنية قيمة بناء وإخلاص ووفاء، ومبدأ يرفع الأداء لا خطاباً يزين الحضور، والتزاماً يصون الدولة لا وسيلة للعبور إلى المصلحة.

الوطنية الصادقة امتحان للنوايا قبل الكلمات. من أرادها حقاً فليقدم الوطن على ذاته، والمؤسسة على مزاجه، والمصلحة العليا على مكاسبه، ووحدة الصف على اصطفافاته، والعمل الصامت على ضجيج الادعاء، فالأوطان لا تحفظها الوصولية، وإنما يحفظها الإخلاص؛ ولا ترفعها الشعارات، وإنما يرفعها الصادقون المخلصون؛ ولا تصونها المصالح المؤقتة، وإنما يصونها عهد الرجال والنساء الذين يرون في خدمة الوطن معنى الشرف وغاية الولاء والانتماء.

ومن هنا، يجب التنبه إلى أن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الوطنية هو التلاعب بمعناها؛ فلذلك فإن حماية الوطنية من التشويه واجب وطني بذاته؛ لأنها يجب أن تبقى قيمة عليا منضبطة بالمسؤولية، مرتبطة بالعمل، منضبطة بالمصلحة الوطنية العليا، لا سلاحاً بيد من يريدون العبور من اسم الوطن إلى مصالحهم الشخصية الآنية الضيقة، وبذلك تبقى الوطنية مبدأ راسخاً لا طريقاً للوصولية، ووعياً جامعاً لا شعاراً عابراً، ومسؤولية أخلاقية لا مصلحة مؤقتة.