الاهتمام الفائض بالأزمة السكانية في عالم الغرب على جانبي الأطلسي، حيث ارتفاع معدلات الشيخوخة المصحوب بتناقص أعداد الوفيات والمواليد، إلى دركِ الإخلال بكفاءة دواليب العمل والإنتاج، صرفَ أنظار أكثر أهل الذكر بعيداً عن تفاعلات الظاهرة ذاتها في سياقات حضارية أخرى.

ما يتم تداوله حول معالم هذه الأزمة في اليابان لجهة الحجم وأسباب النشوء والتطور، والجدل الثقافي والفكري والسياسي والإعلامي المثار داخلياً بشأن تداعياتها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية في الحال والاستقبال، وكيفية التعامل معها ومعالجتها، يكاد يتماثل مع ما يجري ويدور في السياق الغربي.

الشائع على نطاق واسع أن القارة الأوروبية هي الأعلى شيخوخة عالمياً، بمتوسط أعمار لكبار السن (فوق 65 عاماً) يراوح حول 20 % من جملة سكانها البالغ نحو 744 مليون نسمة، مع تفاوتات محدودة بين الدول، لكن الإحصاءات ذات الصلة تؤكد تراجع مكانة هذه الحالة بأصدائها السلبية قومياً وقارياً لصالح اليابان، التي تخطى زهاء 29 % من سكانها، وقوامهم 124 مليون نسمة، عتبة الخامسة والستين.

جغرافياً، تتقاطع أوروبا مع، وتقترب من قلب العالم بمعنييه القديم والجديد، وذلك على خلاف اليابان، التي تتموضع في أقصى الحافة الشرقية لهذين العالمين.

وعلى خلاف اليابان، تستحوذ القارة العجوز على إرث تاريخي لا يبارى من التغلغل والانغماس على كافة الصعد في شؤون المعمورة بأسرها.. تماماً كما هو الحال من حيث السبق التقني وتوابعه، غير أن ظاهر الحال يثير الاستفهام عما إن كان لحاق اليابان بركب القارة العلمي والتكنولوجي والتنافس الاقتصادي معها رأساً برأس، يعد مسؤولاً عن تماثلهما الملحوظ من حيث اعتمالات الأزمة السكانية، على الرغم من بُعد الشُّقة بينهما جغرافياً وتاريخياً وثقافياً.

السؤال هنا بكلمات أخرى، يتعلق بما إن كان الارتقاء إلى مصاف العالم الأول اقتصادياً وتقنياً وحضوراً تجارياً بالذات، يفضي إلى تشابه موازٍ في قضايا أخرى، يعنينا منها في مقامنا هذا الهرم السكاني المقلوب، الذي يخلي القاعدة، وليس القمة للمعمرين.. هذه مفارقة حقيقية، نلمس بعض إشعاعاتها في المقترحات الأكثر إلحاحاً على أذهان الباحثين عن حلول لها أوروبياً ويابانياً، ومنها رفع سن التقاعد إلى سقف السبعين، وتشجيع الزواج، ومنح مكافآت للأسر كبيرة العدد، والقروض الميسرة للباحثين عن المسكن المناسب، واستجلاب المواطنين المولودين في الخارج.. وفي هذا السياق، يقع خيار استقطاب العمالة الخارجية، وما يحيط به من جدل وتناكف بين مؤيد ومعارض، في قلب البدائل سريعة المفعول، وإن كانت باهظة الكلفة الاجتماعية والثقافية لمواجهة الأزمة.

مقاربة هذا البديل تقتضي موضوعياً الوعي بالفوارق النسبية الواسعة بين سياقيه الأوروبي والياباني.. فأوروبا ليست مستجدة في معرض الانفتاح على عوالم الآخرين في جهات الدنيا الأربع.. هي عركت هذه العوالم، وعرفتها بأن وصلت إليها، واختلطت بها أيما اختلاط، بل وساهمت في تشكيل خرائطها الجغرافية والسياسية والفكرية والتعليمية، بغض النظر عن الوسيلة، حتى إن بعض شعوب دول الجنوب تتحدث بألسنة أوروبية مبينة.. والمفترض منطقياً وجدلاً، أن يفعل هذا الأمر التاريخي الواقع فعله، في تيسير استقبال الوافدين بالهجرة واللجوء الشرعيين وغير الشرعيين، على طريق انخراطهم في الحياتين الاجتماعية والاقتصادية لدول القارة.. غير أن قدم ظاهرة التلاقح هذه، لم يثبت بعد صحة هذا الافتراض، أو مضيه في خط إيجابي مستقيم، فما زالت قطاعات أوروبية أيديولوجية وسياسية واسعة، مؤثرة في صناعة القرار، تستنكر سياسة الأبواب المفتوحة مع الأجانب، متجاهلة حاجة أسواق العمل الماسة إليهم.

ويقع التشاكس بهذا الخصوص في صلب القضايا الخلافية بين التيارات والقوى السياسية قومياً وقارياً.. فكيف الحال إذن مع المثال الياباني، بتقاليده الأميل إلى الانطواء، الذي يفتقر إلى دسم التفاعل الخارجي المتجذر الممتد بمعظم طقوسه ومفرداته؟!

المعلوم بالضرورة أن التصدي للعجز السكاني، يمثل مشكلة صارت مزمنة في الرحاب الغربية بعامة، لكن ما يستدعي مزيداً من التحري، هو أن الأمر ذاته بات أقرب إلى المعضلة في النموذج الياباني.. وإذا كان من الشعارات المرفوعة غربياً أن أوروبا للأوروبيين، وأمريكا أولاً، فمن المدهش وجود إرهاصات لرواج نسخة يابانية مماثلة، عنوانها «اليابان أولاً».

ورغم تصاعد هذه النغمة، إلا أن روح الريادة والاستجابة الفاعلة للتحديات التي تغلف سلوك اليابانيين عموماً، جعلتهم أميل إلى مواربة الأبواب أمام الوافدين، ضمن محددات وضوابط، لجعل الخسائر المتوقعة في أضيق نطاق.