لا شك في أن دول العالم كلها بلا استثناء تأثرت بحرب إيران وغلق مضيق هرمز إن لم يكن بسبب جوارها لإيران ودول الصراع، فبفعل صدمات أسواق الطاقة العالمية، وتعطيل إمداداتها، أو اهتزاز سلاسل إمداد السلع والمنتجات مع ارتفاع تكاليف الشحن، ومن ثم أسعار كل السلع، ونقص أخرى، بما فيها سلع رئيسية، وانعكاسات كل ما سبق على أسواق المال، والاستثمارات، وفرص العمل، وغيرها.

الآثار طالت الجميع، ولكن الرهانات على دول الخليج مثيرة، وبعضها عجيب. البعض يراهن من باب تمني الضرر، والبعض الآخر يراقب بعقلانية، ويتابع بمنظور علمي ومعلوماتي ما يجري في هذه الدول، وما يصدر من تقارير دولية وأممية بدأت تتنافس في تقييم والتنبؤ بآثار الحرب.

المؤكد حتى اللحظة أن ما طمحت إليه، وعملت من أجله هذه الدول على مدار العقود السابقة من أن تكون دول استقرار واستثمار وتنمية واستدامة، يؤتي ثماره من حيث حسابات الخسارة في حرب إيران.

عمليات البناء كانت كلية وشاملة، كل دولة بحسب خططها للتنمية، وما ارتأته من ضرورات إصلاح وتعديل مسار، وذلك على أسس علمية، أخذت خصوصياتها الثقافية والاجتماعية والديموغرافية في صميم اهتمامها، وذلك دون أن يطغى ذلك على مسار التنمية والتقدم والتفرد كل في مجالاته، أو يطغى التقدم على الهوية.

تقارير أممية عدة تصدر هذه الآونة، لتحذر من آثار وتداعيات الحرب التي لم تنتهِ، لكن الأغلبية المطلقة من هذه التقارير تشير إلى مبدأ الاستثمار في المستقبل، وفي قدرات دول المنطقة على الصمود، وتقليص هوامش الخسائر في أوقات الأزمات، وهو ما قلص فعلاً الخسائر في هذه الحرب.

العوامل كثيرة، منها استراتيجيات الصمود الاقتصادي، ومنها البنى التحتية المرنة، وكذلك خطوط الإمداد البديلة ففي تعدد المصادر حياة، وتنويع مصادر الطاقة، وغيرها من الفكر الاقتصادي الذي أثبت فعاليته، ومنها كذلك عوامل اجتماعية وثقافية لا تقل أهمية عن الاقتصادية.

أنظمة التعليم الجيدة، التي تعزز مفهوم الهوية، وتغرس شعور الانتماء، ومعها برامج التوعية والتثقيف المستمرة وغير المرتبطة بحدث هنا أو حادث هناك، بل هي عملية مستمرة ضمن عمليات بناء الدول والمجتمعات، جميعها أسهم في بناء جدار حام واقٍ أظهر وجهه المشرف في هذه الأزمة.

هذا التماسك الداخلي مع القوة والمرونة والتعددية الاقتصادية وبالطبع القدرات الدفاعية يجعل الرهان على قدرة دول الخليج في الخروج السريع من تداعيات الحرب واستكمال مسيرة التنمية شبه مضمون.

أشارت تقارير عدة مثلاً إلى تداعيات حرب إيران السلبية على المساواة بين الجنسين في مجالات عدة مثل المشاركة في سوق العمل، والفرص، والوصول إلى الخدمات المالية، وغيرها من مسائل تتعلق بالأمن والتعليم وآفاق المستقبل.

أغلب الدول المتضررة بشكل مباشر مثل العراق ولبنان بدأت تواجه علامات التأثر سلباً، لكن دول الخليج دائماً تتحدث تقارير عن ثبات واستقرار إجراءات وسياسات الشمول والعدالة والحوكمة والأمن في عملية البناء والتنمية على مدار عقود، وهو ما يقلص هوامش أية خسائر أو مخاطر في ظل الطوارئ وحروب المنطقة.

آثار الصدمات في المنطقة لن تكون متطابقة. في السياقات الضعيفة تكون الآثار السلبية أشد وطأة، وجهود التعافي والعودة إلى ما كانت عليه قبل الحرب أكثر صعوبة وكلفة، وذلك عكس دول الخليج التي استثمرت في التعليم، والتمكين الرقمي، وأنظمة الرعاية الصحية، والشمول المالي، وغيرها من جهود أدت إلى تنامي وتدعيم الثقة في أنظمة الدولة وقدراتها، وهي الثقة التي يتم جني ثمارها حالياً.

هذه الحرب ستؤدي حتماً إلى إعادة بناء التحالفات، وترتيب الأولويات، لكنها أيضاً ستؤدي إلى ترسيخ مبدأ الاستثمار في أوقات السلم، وثماره التي يتم جنيها في كل الأوقات. إنه الرهان الرابح.