حين أصاب عمر بن الخطاب أرضاً بخيبر سنة سبع للهجرة، جاء إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: أصبت مالاً ما أصبت قط مالاً أنفس منه فبمَ تأمرني؟ فقال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، فأوقفها عمر على الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل، على ألّا تُباع ولا تُوهب ولا تُورث، من تلك اللحظة وُلد نظام الوقف الإسلامي الذي موّل على مدى أربعة عشر قرناً المساجد والمدارس والمستشفيات والقوافل وبنى حضارة كاملة.
اليوم في الإمارات تُدار أصول تمويل إسلامي تتجاوز 1.15 تريليون درهم، وتُتداول صكوك بمليارات الدولارات على شاشات رقمية تربط الخليج بآسيا وأوروبا وأفريقيا، والفكرة التي زرعها عمر في أرض خيبر تحوّلت إلى منظومة اقتصادية عالمية، والإمارات تقف في مركزها.
إصدارات الصكوك الإماراتية بالدولار قفزت بأكثر من مئة وثلاثين بالمئة خلال 2025 وفقاً لوكالة فيتش، وسوق رأس المال الإسلامي يتجه نحو تجاوز 350 مليار دولار بنهاية 2026، ضمن استراتيجية وطنية للتمويل الإسلامي والصناعة الحلال تستهدف رفع أصول المصارف الإسلامية إلى 2.56 تريليون درهم بحلول 2031.
دبي تحوّلت خلال سنوات قليلة إلى أحد أهم مراكز التمويل الإسلامي عالمياً، عبر منظومة تمتد من الصيرفة والصكوك والتكافل إلى التكنولوجيا المالية الشرعية والاقتصاد الحلال، في نموذج يربط الشريعة بالأسواق العالمية بلغة القرن الحادي والعشرين.
الوقف الذي بدأ بأرض في خيبر تعيد دبي صياغته بأدوات القرن الحادي والعشرين، فقد أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، حي محمد بن راشد الوقفي، بمساحة مليوني قدم مربعة واستثمارات بلغت 4.7 مليارات درهم، وأسّس مركز محمد بن راشد العالمي لاستشارات الوقف والهبة، الذي يقدم خدماته مجاناً للمؤسسات والأفراد حول العالم، وخصّص خمسة مليارات درهم لأوقاف المعرفة والابتكار والبحث العلمي، وأطلق وقف المليار وجبة كأكبر مشروع وقفي للإطعام في العالم.
هذه المبادرات حوّلت مفهوم الوقف من عمل خيري تقليدي إلى أداة تنموية مستدامة تعمل بمنطق الاستثمار المؤسسي وتُدار بحوكمة حديثة وتُوجّه عوائدها نحو التعليم والصحة والأمن الغذائي.
دبي أنشأت أيضاً مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي، واستضافت القمة العالمية للاقتصاد الإسلامي، وأصبحت المنصة الرئيسية التي تُصاغ فيها معايير الاقتصاد الحلال بقطاعاته من الغذاء والأدوية إلى السياحة.
في القطاع المالي، تتوسع دبي في التكنولوجيا المالية المتوافقة مع الشريعة، وأصدرت سلطة دبي للخدمات المالية هذا الشهر ورقة استشارية لتطوير إطار التمويل الإسلامي داخل مركز دبي المالي العالمي، فيما أصدرت وزارة المالية بالتعاون مع المصرف المركزي أول صكوك خزينة إسلامية لأجل سبع سنوات بقيمة 550 مليون درهم.
في أبوظبي يتشكّل نموذج مختلف ومكمّل في إعادة هندسة المؤسسة الوقفية وربطها بالأولويات الوطنية، فهيئة أوقاف أبوظبي التي تأسست عام 2023 بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة «حفظه الله»، أطلقت مبادرة «وقف أمّ الإمارات للأيتام» وجمعت المبادرة 3.3 مليارات درهم خلال شهر رمضان وحده في واحدة من أضخم حملات التبرع الوقفي في العالم، وأعلنت عن مشروع «مدينة أمّ الإمارات» بمليار درهم، ووقّعت شراكات استثمارية مع القطاع الخاص لتطوير أراضٍ وقفية وتحويلها إلى مشاريع تجارية مستدامة تعود عوائدها على رعاية الأيتام.
أبوظبي أسّست أيضاً «أوقاف كابيتال» كذراع استثمارية متخصصة وأنشأت صندوق الوقف الصحي بمليار درهم بالتعاون مع دائرة الصحة، في نموذج يدمج الوقف مع القطاعات الحيوية ويحوّله إلى ركيزة تمويلية للخدمات الأساسية، فالوقف في أبوظبي أصبح شريكاً مؤسسياً في بناء منظومة الرعاية الاجتماعية والصحية.
ما تبنيه دبي وأبوظبي يأتي في توقيت استراتيجي، فالإنفاق الاستهلاكي للمسلمين عالمياً يتجه نحو 3.36 تريليونات دولار بحلول 2028، وأصول التمويل الإسلامي العالمية تقترب من خمسة تريليونات دولار، والإمارات التي تحتل المرتبة الرابعة عالمياً على مؤشر الاقتصاد الإسلامي العالمي تضع نفسها في قلب هذا التحول كمنصة تشريعية وتمويلية ولوجستية، تستقطب استثمارات تجاوزت 1.53 مليار دولار في هذا القطاع وتصدّر معايير تصبح مرجعيات دولية من جاكرتا إلى لندن.
في عيد الأضحى، حين يستحضر المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها قصة التضحية والعطاء والتكافل، تقدّم الإمارات نموذجاً معاصراً لهذه القيم: دولة حوّلت مبادئ الاقتصاد الإسلامي من تراث فقهي إلى منظومة مالية وتنموية واستثمارية تنافس على صدارة العالم، وأعادت للوقف دوره الحضاري كمحرّك للتنمية المستدامة، وما زرعه عمر بن الخطاب في خيبر قبل أربعة عشر قرناً تحوّله الإمارات اليوم إلى منظومة اقتصادية عابرة للقارات.