كثيراً ما تداهمنا تلك الصور القديمة، الصور التي خبّأناها في أعماق الذاكرة منذ الطفولة، فتبدو لنا وكأنها حكايات معلّقة بين الخيال والحقيقة، لكنها رغم كل ما مرّ من أعوام تبقى أشد حضوراً من الزمن نفسه، لا تغادرنا، بل تسكن تفاصيلنا؛ في الكلمات التي نكتبها، وفي الحكايات التي نسردها، وفي الأحلام التي نظن أننا كبرنا عليها، بينما هي تكبر فينا.

ومن أكثر الصور رسوخاً في مخيلتي تلك السفينة الضخمة، التي كانت تتوسط سواحل أبوظبي الهادئة، شامخة كأنها جزء من البحر لا جسد عابراً فوقه. كانت لها هيبتها الخاصة، وطقوسها التي لا تشبه شيئاً آخر.

لم أكن أفهم يومها لماذا كان الاقتراب منها محكوماً بالمنع، ولماذا بدا صعودها امتيازاً يشبه الحلم البعيد، لكننا نحن أبناء تلك المرحلة كنا ننتظر لحظة الصعود إليها كما يُنتظر العيد، ونثير ضجيج الدنيا إن حُرمنا من الوقوف على سطحها. كنت أصعد إلى أعلاها وكأنني أصعد إلى عالم آخر.

لم تكن في داخلي آنذاك طموحات واضحة، ولا أحلام مرسومة الملامح، سوى رغبة جامحة بأن أطلق لخيالي العنان، وأن أعانق الأفق الممتد أمامي بلا حدود، ومنذ تلك اللحظات الأولى التصق بي ذلك الشعور حتى هذا اليوم؛ شعور لم تمنحني إياه كل الأماكن التي وقفت عليها لاحقاً، رغم اتساعها وعلو شأنها.

لا مدينة تُشبه مدينتي؛ فيها الشمس وطن للضياء، والبحر مرآة الطمأنينة، والقمر تاج من لؤلؤ يليق بليلها، وعلى ضفافها أغدو طائراً يحلق بعيداً دون أن يبرح مكانه ويعود إلى البحر كما تعود الأرواح إلى أوطانها حين تتعب.

وعلى ضفافها أيضاً يتعلم القلب أن الأوطانَ لا تُبنى بالأرض وحدها، بل برجالٍ إذا اضطربت الجهاتُ ثبتوا كالبحار العميقة لا تهزها العواصف.

هناك يقف الربّان؛ قائد خلق للقيادة، تعرف هيبته من اتزان السفن حوله، ومن سلام يسبق حضوره. رجل جعل من الحكمة مرسى، ومن الأمان وطناً، حتى غدت الأفعال في سيرته أبلغ من كل قول، وباتت أُمم بأكملها تستظل بهيبته ، التي تحمل وقارَ القائد وطمأنينة الأوطان.

ربّان، بتوفيق الرحمن، قادر على أن يُرسي كل سفينة في مرساها الذي يليق بها، ويحفظ مكانتها وهيبتها، واضعاً مصلحة الأمة العربية والإسلامية، بل والعالم أجمع، بين طرفيْ بشتٍ يحمل هيبة القائد وطمأنينة الأمان؛ بشتٍ تؤمن معه السُّبل، وتُصان به الأوطان، ويشعر الجميع في ظله بالسلام والاستقرار.

سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه، اللهمَّ اجعلِ الأعيادَ في ظل قيادتكم أعوامَ مجدٍ لا يخبو، وعز لا يلين، وأدم على الوطنِ هيبته وقوّتَه ورفعتَه بين الأمم.