على مدى عشرة أعوام وأنا أكتب كل عام في هذا المكان، في مثل هذه الأيام المباركة، في العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، وفي هذا اليوم المبارك، يوم الوقوف بعرفة، عن حال الأمة، منتهزاً اجتماع الحجيج على هذا الصعيد الطاهر، ملبّين دعوة نبي الله إبراهيم، عليه السلام، رافعين أكفّهم إلى الخالق العظيم أن يوحّد صف أمتهم، ويجمع كلمتها، ويجعلها خير الأمم.
وعلى مدى هذه الأعوام العشرة، حاولت أن أرصد حال الأمة. كتبت عن «أمة تنتحر»، وعن «أمة تختنق»، وعن «أمة تتطلع»، وعن «أمة تبتهل»، وعن «أمة تنتظر».
وكان آخر ما كتبت قبل عام عن «أمة تحتار ولا تختار». واليوم، ونحن نعيش أحداثاً قسمت الأمة إلى أكثر من فسطاط، أجدني أكتب عن «أمة على مفترق طرق».
في كل مرة تهبّ فيها العواصف على أمتنا، يعود السؤال القديم ليطل برأسه: أين تقف الأمة الإسلامية، لا من أعدائها، ولكن من نفسها، ومن حقيقتها، ومن قيمها، ومن تاريخها الطويل الذي صنعته تضحيات كبيرة، ثم مزقته في أزمنة الضعف حسابات السياسة الضيقة، والأهواء، والأحقاد، والمصالح، والأحلام المستندة على الأساطير الوهمية؟
الأمة اليوم لا تعيش أزمة سياسية عابرة، ولا خلافاً محدوداً بين دولتين، ولكنها تقف على مفترق طرق حقيقي، ربما يكون من أخطر ما مرت به منذ عقود طويلة.
مشهد مضطرب، تتداخل فيه الدماء بالشعارات، وتختلط فيه الحقيقة بالدعاية، ويصبح المظلوم في نظر البعض مذنباً، بينما يتحول الظالم عند آخرين إلى بطل، أو منقذ، أو حتى وليّ لا يجوز الاعتراض عليه.
والمؤلم في كل ما يحدث اليوم، ليس فقط حجم الخراب الذي يضرب المنطقة، وإنما الانقسام الأخلاقي العميق داخل الأمة نفسها.
فحين تتوجه الصواريخ والمسيّرات إلى دول لم تدعُ يوماً إلا إلى مصلحة الأمة وأمنها وسلامها، يُفترَض أن يكون الضمير الإنساني، قبل الديني، قادراً على التمييز بين المعتدي والمعتدَى عليه، بين من يشعل النار ومن يحاول النجاة منها.
لكن ما يحدث اليوم، يكشف أن كثيرين أصبحوا ينظرون إلى المسائل بعيون الطائفة، أو الجماعة، أو المصلحة، أكثر مما ينظرون إليها بعيون من يحرص على مصلحة الأمة.
لقد تحولت بعض المنابر إلى ساحات للتحريض، وأصبحت وسائل التواصل مصانع ضخمة للكراهية، يصفق فيها البعض للموت، إذا كان الضحايا من الطرف الذي يختلفون معه.
وهذه ليست أزمة سياسة، ولكنها أزمة ضمير. لأن الأمة التي تفقد قدرتها على التعاطف مع الحق، تكون قد خسرت شيئاً أعظم من المعارك العسكرية والانتصارات الإعلامية.
ليس جديداً على الأمة أن تمر بأزمنة انقسام. فالتاريخ الإسلامي مليء بالفتن والصراعات والحروب، لكن ما كان ينقذ الأمة دائماً، هو وجود أصوات عاقلة تذكّر الناس بأن الظلم يبقى ظلماً، مهما كان صاحبه، وأن الدم البريء لا يصبح مباحاً، لأن القاتل يرفع شعاراً دينياً أو قومياً أو ثورياً.
هذه الأمة لا ينقصها عدد، ولا ثروات، ولا تاريخ، لكنها تعاني نقصاً خطيراً في البصيرة. فالأمم لا تسقط بسبب أعدائها فقط، وإنما حين تفقد قدرتها على رؤية الحقيقة كما هي، بعيداً عن العصبيات. وحين يصبح الانتصار للجماعة أو الطائفة، أهم من الانتصار للحق، تدخل الأمة مرحلة التيه الطويل.
إن أخطر ما في هذا المفترق، أن أبناء الأمة يقفون اليوم على جانبي الطريق، فريق ما زال يؤمن أن الإنسان قيمة عليا، وأن نصرة المظلوم واجب أخلاقي وديني، وفريق آخر أعماه التعصب، حتى صار يبرر كل شيء، ويمنح الظالم صكوك البراءة، ما دام ينتمي إلى معسكره.
لكن التاريخ علمنا دائماً أن الأمم تمرض ولا تموت، وأن لحظات الانكسار الكبرى، قد تكون بداية المراجعة الكبرى.
وربما تحتاج الأمة الإسلامية اليوم إلى وقفة صادقة مع نفسها، تعيد فيها تعريف معنى العدل، ومعنى الأخوّة، ومعنى الإنسانية، قبل أن تعيد رسم خرائط السياسة والتحالفات.
الأمة التي تحتار بين الظالم والمظلوم، وتختلف حول الدم البريء، لا تكون قد فقدت بوصلتها فقط، وإنما اقتربت كثيراً من فقدان روحها، وعندما تفقد الأمة روحها، تكون قد اقتربت نهايتها، ونحن أمة قادرة على الاختيار الصحيح، عندما تقف على مفترق طرق، وليس ثمة وقت أنسب من هذا للخروج من النفق المظلم.