ولّى ذلك الزمن الذي كانت فيه أفغانستان تستأثر بالأضواء والمتابعات الإعلامية المكثفة، ففي السنوات الأخيرة، وبسبب تبعات وباء كورونا أولاً، ثم تبعات الحرب الروسية الأوكرانية، صارت لا تحظى بأدنى اهتمام، ولا تشغل بال العالم إلا نادراً.

صحيح أنها عادت وجذبت شيئاً من الاهتمام العالمي، على خلفية اشتعال المعارك بينها وبين جارتها الباكستانية مطلع العام الجاري، لكن الصحيح أيضاً أن الأضواء انحسرت عنها بسرعة مجدداً، مع اندلاع حرب إيران. والحقيقة أن الصراع بين الجارتين المسلمتين، نوع من الصراعات التي لا نهاية لها، حتى وإنْ سكتت المدافع وأبرمت معاهدات السلام، فالجغرافيا المعقدة والرواسب التاريخية، عاملان محركان على الدوام للعودة إلى نقطة الصفر.

تعيش الجبهة الأفغانية ــ الباكستانية اليوم هدوءاً نسبياً، إلا أن ما حدث في فبراير 2026 من تصعيد، ترك آثاراً مدمرة، ليس على علاقات البلدين فقط، وإنما أيضاً على أوضاع الأفغان البائسة أصلاً، لا سيما سكان المناطق الحدودية المتاخمة لباكستان.

فما كان مجرد اشتباكات حدودية متكررة، وتبادلاً للاتهامات بوجود ملاذات آمنة للمسلحين والمتمردين، بين الجيش الباكستاني وقوات طالبان المهيمنة على أفغانستان منذ أغسطس 2021، تطور سريعاً في فبراير المنصرم إلى حرب علنية مفتوحة، وهجمات متبادلة، استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة، بما فيها سلاح الجو، وأوقعت الكثير من الأضرار في الأرواح والممتلكات، خصوصاً في الجانب الأفغاني، الأقل جاهزية وتسليحاً، مقابل ترسانة باكستانية من الأسلحة التقليدية والنووية. وهذا، بطبيعة الحال شكّل واحداً من أخطر التحولات في علاقات البلدين الجارين منذ عودة طالبان إلى السلطة في كابول قبل خمس سنوات، بل عُدّ حدثاً ذا أبعاد وتداعيات خطيرة، تمتد إلى منطقة جنوب آسيا بأسرها، وتحمل عواقب استراتيجية، واضطرابات مخيفة، في منطقة مضطربة أصلاً، بحكم حالة العداء التاريخي المزمن بين أقطابها، حول الحدود والأراضي والمياه.

لقد كانت باكستان تأمل في أن تساعد عودة طالبان إلى السلطة في إعادة بناء بنيتها التحتية المهدمة، وإصلاح اقتصادها المنهار، وبالتالي، استقرار حدودها الغربية، لكن يبدو أن رهانها قد فشل، وبات عليها الحيطة والحذر مع الردع العسكري الحازم.

والمعروف أن خط دوراند الحدودي، بطول 2640 كيلومتراً بين البلدين، والذي رسمه البريطانيون مع أمير أفغانستان عبد الرحمن خان سنة 1893، هو الحدود الدولية الرسمية التي تفصل ما بين مناطق البشتون الباكستانيين، وأشقائهم البشتون الأفغان، لكن كابول لا تعترف به. ولعقود مضت، تم احتواء عدم الاستقرار على طول الحدود، من خلال الوساطات القبلية تارة، والترتيبات غير الرسمية تارة أخرى، والاشتباك العسكري الخفيف تارة ثالثة، لكن ذلك التوازن الهش تآكل شيئاً فشيئاً. ويذكرنا هذا الفشل، بما حدث في عام 1996، حينما دفعت إسلام آباد، زمن رئيسة حكومتها الأسبق، بي نظير بوتو، بحركة طالبان نحو كابول، لتجريد حكومة برهان الدين رباني من السلطة، اعتقاداً منها أن هذه الجماعة سوف تحفظ لباكستان جميلها، فتؤمّن حدودها الغربية، وتساعدها على أن تكون لها موطئ قدم في أفغانستان، لمواجهة ما وصفته بـ «خصمها الهندي اللدود»، وهو ما لم يحدث.

في الحرب الأخيرة، قالت إسلام آباد إنه كان لا مفر من الرد العسكري الحازم، باستخدام القوات الجوية والبرية لحماية سيادة البلاد، وحماية المواطنين المدنيين، رداً على هجمات مسلحة قام بها أفغان متسللون إلى الأراضي الباكستانية بأسلحتهم ضد قواعد عسكرية باكستانية، بينما رفضت حركة طالبان الرواية الباكستانية جملة وتفصيلاً. وقالت إن القتال اندلع بسبب أعمال استفزازية لقوات الحدود الباكستانية.

وأياً تكن الأسباب وراء اندلاع الحرب، فإن ما لوحظ هذه المرة، هو أن باكستان اتبعت أساليب جديدة، وبعبارة أخرى، بدلاً من أن تلجأ إلى الضغط العسكري والأساليب غير المباشرة لتحجيم التهديد، كما في الماضي، قامت هذه المرة باستخدام سلاحها الجوي، وما في ترسانتها من أدوات تكنولوجية، في القصف المباشر لمكامن التهديد، خصوصاً أن الخطوة حظيت لأول مرة بدعم شعبي وإعلامي واسع، وإصدار إسلام آباد لرسالة قالت فيه إن السلامة الوطنية خط أحمر، وغير قابلة للتفاوض. من جانب آخر، تبرز «حركة طالبان باكستان»، كعامل توتر معيق في حسابات الأمن والسلام لكلا الجانبين. فإسلام آباد تتهم كابول بأن مقاتلي طالبان باكستان، يعملون من أراضيها، وتطالب بتحجيمهم، وتقييد حركتهم، لخطورتهم على استقرار باكستان، بينما تبدو كابول عاجزة عن ذلك، بسبب الروابط الأيديولوجية والعقائدية والقبلية بين طالبان باكستان وطالبان أفغانستان، والتي إن تم تجاوزها بالحزم الأمني، فقد يثير انقسامات داخل السلطة الحاكمة في كابول.

ونختتم بالإشارة إلى أن لاعبين إقليميين حاولوا أكثر من مرة تقريب وجهات النظر بين الجارتين، وإنهاء خلافاتهما، لكنهم فشلوا بسبب انعدام الثقة، وغياب المرونة السياسية للوصول إلى تسوية.