للمسرح السياسي الساخر تاريخ طويل، يعود إلى العهدين البابلي والإغريقي، وتعرّفه الموسوعة العربية بأنه فن يهدف إلى إبراز العيوب ومكامن الضعف في المجتمع والدولة، على الصعيدين الأخلاقي والسياسي، بغرض تعريتها وإصلاحها، وأداته في ذلك التهكم بالكلمة والتلميح والحركة التعبيرية.
ومن كبار من ألف المسرح السياسي الساخر، أو شارك فيه بالتمثيل عالمياً، الإنجليزي وليم شكسبير، والفرنسي موليير، والألماني برخت، والروسيان مكسيم غالكين وتشيخوف. أما في العالم العربي، فنجد أسماء مثل سعد الله ونوس ومحمد الماغوط ودريد لحام في سوريا، ونجيب الريحاني وتوفيق الحكيم ونعمان عاشور وصلاح عبد الصبور وعبد الرحمن الشرقاوي وعادل إمام في مصر، ونزار ميقاتي ومنير أبودبس وأنطوان معلوف وزياد الرحباني وأنطوان كرباج وميراي معلوف في لبنان.
أما خليجياً، فإن للكويت قصب السبق، بفضل الحرية التي يتمتع بها مسرحها، والاسم الأبرز والأشهر على هذا الصعيد لجهة التأليف، هو بلا منازع، المرحوم عبد الأمير التركي، ولجهة التمثيل، نجد أسماء كثيرة شاركوا في تقديم مسرحيات سياسية ساخرة خالدة، مثل عبد الحسين عبد الرضا وسعد الفرج وخالد النفيسي وغانم الصالح وعلي المفيدي.
نخصص هذه المادة لتوثيق سيرة عبد الأمير التركي، بوصفه أحد أشهر أعلام المسرح والدراما والسينما في الكويت والخليج الكويتي، في أشكاله السياسية الساخرة والناقدة. إذ يعود له الفضل في استخدام المسرح تحديداً، كأداة قوية للتأثير في الوعي الشعبي، وللتعبير عن قضايا مجتمعه، وتعرية عيوبه، ونقد ما يدور فيه من ممارسات، كالفساد والنفاق والجشع والتعدي على القانون، والمحسوبية واستغلال النفوذ الوظيفي وغيرها. هذا فضلاً عن كونه من أوائل كتاب المسرح الكويتيين الذين تطرقوا إلى قضية الصراع المزمن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، واستخدموا الكوميديا العفوية المؤثرة، والإسقاطات الذكية على الواقع المعاش.
ولد «عبد الأمير عبد الصمد تركي حسن التركي الطراح»، في الكويت، في الأول من يناير سنة 1945، في أسرة ميسورة الحال.
جده هو تركي حسن التركي، المعروف أيضاً باسم تركي حسن الطراح، لأنه كان يعمل في تجارة الفاكهة والخضار، ذلك أن الكويتيين يسمون من يمتهن مثل هذه التجارة بـ «الطرّاح»، وجمعه الطراريح. أما والده فهو المربي الفاضل عبد الصمد التركي، المولود سنة 1920، بالميدان في الحي الشرقي من مدينة الكويت، والذي عمل مع أبيه (جد المترجم له) في تجارة الخضار والفاكهة، وبعد أن أنهى تعليمه النظامي في مدرستي المباركية والأحمدية، اشتغل في التدريس حتى أواخر عام 1965. ومن التدريس انتقل إلى السلك الدبلوماسي، فتم تعيينه ملحقاً صحافياً بسفارة الكويت في بغداد، ثم مُنح ترقية فأصبح مستشاراً صحافياً للسفارة، وبعد 20 عاماً من العمل في العراق عاد إلى وطنه، فتم تعيينه مستشاراً صحافياً لنائب رئيس مجلس الوزراء/ وزير الإعلام الأسبق الشيخ جابر العلي الصباح، وظل كذلك إلى أن تقاعد، ليتفرغ للكتابة والبحث والتأليف حتى وفاته عام 1993. ومما يذكر له، مساهماته في تأسيس جمعية المعلمين الكويتية، ورابطة الأدباء الكويتيين، ووضع اللبنات الأولى للحركة المسرحية والتأليف المسرحي، وقيامه بكتابة مسرحيتي «المرأة تصنع المجتمع» و«المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله»، ناهيك عن تأليفه للعديد من المؤلفات المطبوعة أو المخطوطة، ومساهماته في الصحافة المحلية والعربية عبر كتابة المقالات الأدبية والسياسية، بل قيامه بتأسيس مجلة «كاظمة»، وتولي منصب مدير تحريرها سنة 1984.
ولأن عبد الأمير نشا وتربى على يد أب كهذا، وفي بيت علم ومعرفة وشغف بالمسرح والأدب والكتابة، لم يكن غريباً عليه أن يقتفي أثر والده، ويبرز في ميدان الكتابة والتأليف والإبداع المسرحي، بعد أن أنهى تعليمه العام والجامعي بالكويت، وعاد في منتصف ستينيات القرن العشرين إلى الكويت من بريطانيا، حاملاً شهادة الماجستير في العلوم السياسية.
والحقيقة أن دراسته للعلوم السياسية أفادته كثيراً، حينما بدأ في عام 1965م، وهو في العشرين من عمره، مسيرته العملية بالالتحاق بالإذاعة الكويتية، كمعد لواحد من أشهر برامجها آنذاك، وهو برنامج «نافذة على التاريخ»، حيث تولى مهمة كتابة حلقات هذا البرنامج بصورة متميزة، سلط فيها الضوء على أحداث سياسية وقعت في بلاد شتى، لكنها تصلح درساً وعبرة لعالم عربي ممزق.
وهو لئن دخل العمل الإذاعي من بوابة التاريخ السياسي، إلا أنه شعر بأن طموحه ومواهبه أكبر من ذلك بمسافات، فراح يستغل شهادته في العلوم السياسية في تحقيق رسالة آمن بها طويلاً، وهي صناعة وعي جماعي بقضايا المجتمع، من خلال الانتقاد السياسي الساخر. وبعبارة أخرى، عمل صاحبنا على خلق «ثقافة الابتسامة» من خلال الكتابة للمسرح والسينما والإذاعة، وتحويل عالم السياسة الكئيب إلى فضاء ساخر، على الرغم من صعوبة تحقيق المعادلة. ولهذا وصفه عدنان فرزات في صحيفة «الشرق الأوسط» الدولية (20/10/2015)، بالرجل الذي نجح في «لوي عنق السياسة المتجهمة، وجعلها تبتسم»، بل وتُضحك أحياناً بصوت مرتفع، مضيفاً أنه بهذا النجاح «حصد نتيجتين، إحداهما صراعه مع الرقابة، والثانية التفاف جمهور كبير حوله»، وبين هذا وذاك، أسس التركي منهجه الخاص في الكوميديا السياسية، ودشن ببراعته وذكائه مسرحاً ودراما في الخليج يحملان بصمته المتميزة.
من جهة أخرى، كان لتخصصه في العلوم السياسية أثر في حياته، نجد تجلياته في إقدامه عدة مرات على ترشيح نفسه في انتخابات مجلس الأمة، ربما ــ حسب كلام عدنان فرزات ــ لأن خشبة المسرح ضاقت بأفكاره، فأراد توصيلها للناس من تحت قبة البرلمان، كصوت للجمهور الذي آمن برؤيته، لكن هذا الجمهور خذله، مفضلاً أن يكون صوتاً لهم من خلال المسرح، وليس البرلمان.
وهكذا عاد التركي ليركز جهوده على التأليف والإخراج المسرحي والدرامي والسينمائي من خلال السينما، فقدم في عام 1965 فيلماً مدته نحو 26 دقيقة، بعنوان «العاصفة»، من بطولة عبد الحسين عبد الرضا وخالد النفيسي، وإخراج محمد السنعوسي، تدور قصته حول الحياة البحرية لمجتمع الكويت القديم، ومدى معاناة الرعيل الأول وأبنائهم من أجل الحياة الكريمة، وصولاً إلى نهاية الفيلم، التي تتضمن دعوة صريحة بضرورة التسلح بالعلم والمعرفة، كوسيلة للانتصار على العاصفة. وتعليقاً على الفيلم، كتب الصحافي محمد المكسور في صحيفة «العرب» اللندنية (24/10/2015)، قائلاً إن التركي أرسى بهذا العمل فلسفته الخاصة للحياة، ومضمونها أن «الحياة تسير على ساقين، هما العلم والعمل، فإن فقد الإنسان أحدهما، عاش حياة معطوبة ومشوهة».
اتبع التركي عمله السينمائي هذا بأعمال مسرحية ودرامية أخرى عديدة. غير أن بعض أعمال صاحبنا لم تعرض، لأن الرقيب كان له بالمرصاد، ومنها مسلسل «الاعتراف»، ومسرحيات: «قبل لا يكبر طيره»، و«سيفوه في المحكمة»، أما البعض الذي عرض، فقد شكل «عاصفة»، ومنها مسرحيات: «مضارب بني نفط»، «حامي الديار»، «دقت الساعة»، «ممثل الشعب»، «حرم سعادة الوزير»، «حط الطير طار الطير»، وغيرها. وهناك مسرحية «هذا سيفوه» من إخراجه وتأليفه، بمشاركة صديقه سعد الفرج، والتي تمّ عرضها سنة 1988، ثم تقرر منع تصويرها وعرضها.
ألف صاحبنا وأخرج العديد من المسلسلات التلفزيونية الناجحة، التي حققت نسبة مشاهدات عالية، غير أن عمله الدرامي الأشهر والأعلى مشاهدة في تاريخ الدراما الكويتية والخليجية على الإطلاق، وعلى مر السنين، هو مسلسل «درب الزلق»، الذي ألفه التركي، وأخرجه المخرج المصري حمدي فريد، وأنتجه تلفزيون الكويت سنة 1977 من 13 حلقة. في هذا العمل الخالد، ظهرت براعة التركي في التأريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي لفترة مهمة جداً في حياة الكويت والكويتيين، ألا وهي فترة الانتقال من المجتمع القديم وتفاعلاته مع اكتشاف النفط، وما طرأ من طفرة اقتصادية وتنموية مدهشة، وآثار ذلك الانتقال على الإنسان الكويتي بشكل عام، وعلى طبقات المجتمع الفقيرة بصفة خاصة، اجتماعياً وثقافياً ومعيشياً. وبعبارة أخرى، تجلت براعته في «درب الزلق»، في تقديم عمل آسر، يوثق لمرحلة مهمة من تاريخ الكويت، برؤية كوميدية ساخرة.
بالتزامن مع نشاطه الفني، مارس التركي نشاطاً في الإعلام المقروء، عبر كتابة زاويتي «فنجان قهوة» و«نقطة نظام»، في الصحف الكويتية، مثل «السياسة» و«الشاهد». ومن متابعة تلك الأعمدة ومضامينها، نستنتج أن الرجل كان معارضاً صلباً لكل ما يمس العملية السياسية في الكويت من تجاوزات على أيدي السلطة أو النواب المنتخبين، وداعياً إلى السماح للقبيلة (باعتبارها مكوناً من مكونات الوطن)، بإفراز مرشحها لمجلس الأمة، وعدم الاكتفاء بالقوائم الحزبية، أو قوائم التجمعات السياسية التي يطرحها المرشحون.
ومما لا شك فيه أن حقيقة انتماء صاحبنا إلى جيل عقدي الخمسينيات والستينيات المكتنزين بالأحداث العاصفة والمتغيرات السياسية العنيفة، أمده بذخيرة من التجارب الثرية والأفكار الجريئة. كما أن بقاءه في الكويت إبان الغزو العراقي لوطنه، وانخراطه في اللقاءات والمظاهرات الطيارة، وأنشطة التنديد بالاحتلال، جعله شاهد عيان على أحداث ومواقف وتحركات ترسخت صورها في مخيلته الأدبية، وبالتالي، وجد نفسه قادراً على ترجمة ما شاهد وعايش وجرب، إلى أعمال فنية ناجحة، تجلت في المسرحيات والمسلسلات التي أتينا على ذكرها آنفاً.
وهكذا، ظل التركي مخلصاً لأفكاره ورؤاه، فالتزم الخط النقدي كمنهج حياة متكامل، وآمن بأن الاعتراض سبيل للإصلاح في بلده الكويت، لذا رفض الكثير من العروض السخية التي انهالت عليه من مسارح عربية للعمل، مفضلاً أن تكون الكويت هي الحاضنة وحدها لمسرحه وأعماله الدرامية.
وتشاء الأقدار أن يكون رحيله عن المشهد فجأة، ودون مقدمات، مثل رحيل صديقه المسرحي الكويتي الكبير صقر الرشود، الذي وافته المنية في 25 ديسمبر 1978، على إثر حادث سير بإمارة الشارقة. ففي 20 أكتوبر 2015، توفي التركي مع 3 آخرين في حادث تصادم مفجع، بينما كان يقود سيارته في منطقة المنصورية. وكان آخر نص مسرحي كوميدي ساخر كتبه، ولم ينفذ على خشبة المسرح، بعنوان «نهيتك يا مروان»، حول تكوين الأحزاب في الكويت، من خلال شقيقين متقاعدين، أسسا حزباً سياسياً مع أقاربهما.
وبمجرد انتشار خبر رحيله، وهو الذي تشافى قبل ذلك من أمراض القولون والكلى التي أدخلته مستشفيات لندنية لعدة أشهر، اجتاحت الساحة الفنية موجة من الحزن، وسارع زملاؤه من أهل الفن والصحافة، ومحبوه الكثر من كل الطوائف والملل، إلى نعيه بكلمات معجونة بالألم والحسرة.
فقد نعاه رفيق دربه الفنان عبد الحسين عبد الرضا، واصفاً إياه بالكاتب المبدع الذي لا يقارن بأحد من الكتاب، لامتلاكه حساً فنياً وسياسياً في سرد الأحداث بطريقة ذكية وغير مملة، ووصفته الفنانة حياة الفهد، التي شاركت في مسرحيته «حرم سعادة الوزير»، بالكاتب الأصيل المتميز بالفكر النظيف والثقافة الواسعة، وقال الفنان سعد الفرج، الذي ارتبط مع التركي بصداقة عمر، وشراكة فنية طويلة: «كان التركي جزءاً مني وكنتُ جزءَه الآخر»، ووصفه بالرائد الأبرز من رواد المسرح الكويتي، والفنان المبدع، والكاتب الصادق، والإنسان الوفي والمتواضع.
ونختتم بمقتطفات من حواره مع صحيفة «الوطن» الكويتية، نشرت قبل وفاته في 12 مايو 2015، أخبرنا فيه أن أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، زاره معزياً بوالدته، وعرض عليه الذهاب إلى أي مكان للعلاج من أمراضه. واشتكى الراحل في الحوار من أنه وزملاءه يكرمون في الخارج، ولا يلقون التكريم في الداخل، مشيراً إلى أنه وزميله خالد النفيسي تلقيا تكريماً قلّ نظيره من خادم الحرمين الشريفين، الملك الراحل فهد بن عبد العزيز. وأشار إلى أنه هو من أوجد أول مسرح قطاع خاص كوميدي في تاريخ الكويت، وعرض من خلاله مسرحية «هالو دولي»، التي تعد أول مسرحية تم تسجيلها بالألوان في عام 1974، ثم تلتها مسرحيات عظيمة، لا تقوى مسارح القطاع العام على صنعها.
إلى ما سبق، تحدث عن ذكرياته مع الشيخ جابر العلي الصباح، فأشار إلى أنه كان ينفق من جيبه الخاص على الفنانين كي يصنعوا عملاً جيداً تفتخر به الكويت، وأنه كان وراء فكرة عمل يجمع كل فناني البلاد، فجاء مسلسل «درب الزلق»، الذي دعمه وأثنى عليه، وأعجب كثيراً بشخصية «قحطة» في المسلسل. كما أشار إلى أن الشيخ جابر العلي الصباح، قال له: «سيأتي يوم ستكونون الأغلى سعراً في المنطقة، وسيدمنونكم».