إذا أنت طالعت الدراسة التي نشرتها مجلة «ساينس أدڤانسيز» وكنت في الوقت ذاته مهتماً بما يشهده العالم من تغيرات غير معتادة في المناخ، فسوف تذكر على الفور تلك الصورة الشهيرة التي كانت وسائل الإعلام قد أذاعتها في 2015. ما بين الصورة المنشورة في 2015 والدراسة المنشورة في المجلة المتخصصة في 2026 قطع العالم خطوات صعبة في طريق تغيرات المناخ.
كان العالم مدعواً في 2015 إلى التوقيع على اتفاقية المناخ في العاصمة الفرنسية باريس، وكانت الدول الكبرى بالذات في مقدمة الدول المدعوة، فالدول الكبرى هي الأشد تلويثاً للبيئة والأجواء بحكم الصناعات الضخمة التي تعمل على أرضها، وبالتالي فإن الولايات المتحدة الأمريكية كانت مدعوة قبل سواها إلى التوقيع.
وقتها كان الرئيس باراك أوباما في البيت الأبيض، وكان قد سارع فأرسل جون كيري، وزير خارجيته، للتوقيع باسم بلاد العم سام، فلما جاء كيري ليجلس على طاولة التوقيع لم يأتِ ليجلس كأي مسؤول سواه ممن وقعوا، وإنما كان قد جاء معه بحفيدته الطفلة ثم وضعها على الطاولة ممسكاً إياها بإحدى يديه، وموقعاً باليد الأخرى على الاتفاقية.
كان مشهداً لا ينسى، والغالب أنه غير مسبوق، والغالب أيضاً أن رمزيته كانت عالية، ثم كانت واصلة إلى العالم بغير شرح ولا تفسير.. فالهدف كان أن يقال إن قضية البيئة وتغيرات المناخ هي قضية مستقبل أكثر منها قضية حاضر نعيشه، وأن حفيدة جون كيري هي رمز لهذا المستقبل، وأن العالم المدعو إلى العمل بجد من أجل المناخ وتغيراته لا بد أن يكون منتبهاً إلى هذا المعنى، وإلا فإنه سوف يترك مشكلات كبرى للأجيال القادمة على طول الطريق.
طبعاً من سوء حظ العالم أن الولايات المتحدة التي قصد وزير خارجيتها أن يضع حفيدته أمامه، كانت هي نفسها التي اتخذت موقفاً سيئاً من الاتفاقية ذاتها في مرحلة لاحقة، فما إن دخل الرئيس دونالد ترمب البيت الأبيض في 2016 حتى كان قد سارع إلى الإعلان عن انسحاب بلاده من الاتفاقية، فلما جاءت إدارة جو بايدن من بعده عادت الولايات المتحدة للاتفاقية، ولكن سوء الحظ الأمريكي لازمها لأن ترامب ما كاد يعود للبيت الأبيض في فترته الرئاسية الثانية في يناير قبل الماضي، حتى كان قد رجع ينسحب منها للمرة الثانية.
والوضع في لحظتنا الحالية أن الولايات المتحدة منسحبة من الاتفاقية الأهم بالنسبة لمستقبل العالم أكثر من حاضره، وليس من الظاهر أن إدارة ترامب سوف تفكر في العودة عن قرار الانسحاب، ولذلك سوف يكون على هذا العالم البائس أن ينتظر ثلاث سنوات تقريباً إلى أن تأتي الإدارة التالية للإدارة الجمهورية الحالية.
هذا كله عن صورة الحفيدة التي لما رآها العالم المكتوي بتغيرات المناخ، تمنى بالتأكيد لو أن الولايات المتحدة تتصرف على الأرض بمسؤولية تتساوى مع المسؤولية التي وضعها جون كيري على كاهله، وهو يوقع الاتفاقية بحضور حفيدته وبقصد أن يكون حضورها ذا معنى محدد.
أما الدراسة التي نشرتها المجلة العلمية المتخصصة فتقول في تفاصيلها إن علماء الصين درسوا تأثير تغيرات المناخ على الكائنات البحرية، فاتضح لهم أن نسبة الأوكسجين في مياه الأنهار انخفضت بنسبة 2 % تقريباً منذ عام 1986 إلى اليوم، وأن الانخفاض إذا استمر بهذا المعدل سيكون سلبياً جداً على الأسماك ومدى سلامتها.
بقية الخبر تقول إن العلماء الصينيين استخدموا الأقمار الاصطناعية والذكاء الاصطناعي في دراسة مستويات الأوكسجين في أنهار العالم، وإن الدراسة أظهرت أن استمرار تغيرات المناخ يمكن أن يؤدي إلى مناطق بحرية ونهرية ميتة تختنق فيها الأسماء ولا تعيش!
هذا خبر سيئ لمحبي الأسماك لا شك، ولكنه سيئ في عمومه بالتأكيد، لأن الذين يتابعون تأثيرات التغيرات المناخية لم يكونوا يتصورون أن يصل مداها إلى هذا الحد، ولا كانوا يتخيلون أن يكون تأثيرها السلبي واصلاً إلى هذه المستويات المخيفة.
وليس مطلوباً من مؤتمرات المناخ التي تنعقد دورياً، إلا أن تزيد الأفراد وعياً بما يجب أن يفعله كل واحد على مستواه، لعل وطأة التغيرات تكون أقل، فالحكومات التي تقع عليها المسؤولية الأساسية في الدول الصناعية الكبرى تخذل في غالبيتها العالم في هذه القضية ولا تسعفه.