من هنا، من Cape Town، حيث تبدو الحياة أكثر هدوءاً واتساعاً، وجدت نفسي أفكر في مفارقة غريبة يعيشها عالمنا اليوم. فكل شيء من حولنا يتقدّم بسرعة مذهلة، إلا الإنسان من الداخل... يبدو وكأنه يتراجع بصمت، في أحد المقاهي، لفتني مشهد بسيط جداً، لكنه بقى عالقاً في ذهني.

كان هناك أشخاص يجلسون حول طاولة واحدة، لكن كل شخص منهم كان غارقاً في هاتفه، لا حديث حقيقياً، لا ضحكات عفوية، ولا حتى ذلك الشعور القديم الذي كان يجعل الجلسات مليئة بالحياة!

الجميع حاضر جسدياً وغائب بطريقة ما. شعرت وقتها أننا - رغم كل هذا التقدّم - بدأنا نفقد شيئاً مهماً جداً دون أن ننتبه.

لا أحد يستطيع إنكار ما قدّمته التكنولوجيا لنا، فحياتنا أصبحت أسرع وأسهل، والمسافات اختصرت بشكل لم يكن أحد يتخيله قبل سنوات. فاليوم نستطيع أن نتحدث مع أي شخص في العالم خلال ثوانٍ، وأن ننجز أعمالاً كانت تحتاج أياماً كاملة بضغطة زر واحدة! هذا التقدّم مذهل فعلاً، ولا يمكن التقليل منه.

لكن السؤال الذي ظل يدور في ذهني؛ هل تقدّم الإنسان من الداخل بنفس السرعة التي تقدّمت بها التكنولوجيا من حوله؟ أشعر أحياناً بأننا أصبحنا نعرف كل شيء... إلا بعضنا!

نتابع الأخبار والتفاصيل والصور بشكل يومي، لكننا لم نعد نلاحظ التعب الموجود في وجوه من حولنا. أصبح الإنسان مشغولاً طوال الوقت، لكنه أقل قرباً، وأقل إصغاءً، وأقل قدرة على منح الاهتمام الحقيقي.

المفارقة الغريبة أن العالم اليوم يملك وسائل تواصل أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك أصبحت الوحدة شعوراً حاضراً عند كثير من الناس، ولعل ذلك يعود إلى أن التواصل الحقيقي لم يكن يوماً مرتبطاً بعدد الرسائل أو سرعة الإنترنت، بل بالإحساس الصادق، والوقت الحقيقي، والشعور بأن هناك من يسمعك فعلاً.

وأنا أتأمل هذا المشهد هنا في Cape Town، شعرت بأن الإنسان مهما تطورت الحياة حوله، سيبقى محتاجاً لأشياء بسيطة جداً؛ كلمة صادقة، اهتمام حقيقي، وشخص يشعر به دون تكلّف. ربما لا نحتاج اليوم إلى مزيد من السرعة بقدر حاجتنا إلى قليل من الإنسانية التي كانت تجعل الحياة أكثر دفئاً وأكثر قرباً.