أثارت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من الجانب الآخر، تساؤلات عديدة حول قضايا تتعلق بمهام الأوساط السياسية على مستويات محلية وإقليمية ودولية، حول قضايا عديدة يشغل الماضي البعيد وإرثه في التمدد الجغرافي براً وبحراً والهيمنة السياسية جزءاً رئيسياً فيها.

ولعل أبرزها مستقبل حرية الملاحة في البحار والمحيطات وحول الحقوق في استخدام المضائق المائية وحقوق الدول المتشاطئة في هذه الممرات خاصة حين أصبح مضيق هرمز الأهم في تجارة الطاقة العالمية محور صراع دولي بعد أن أغلقته إيران بوجه الملاحة الدولية.

وبدأت بفرض رسوم على البواخر المارة فيه، معتبرة إياه ورقة تفاوضية سياسية في الحرب الدائرة، متجاهلة حقيقة أن هذا المضيق يعتبر ممراً دولياً وفق الإتفاقيات الدولية، فأضرت بمصالح الدول المطلة على الخليج العربي التي تنتج هذه المنتجات من جهة وبمصالح الدول التي تستوردها من جهة أخرى.

فهذا المضيق الذي يربط الخليج العربي ببحر عمان والمحيط الهندي يسمح في حالته الطبيعية بمرور ما يعادل 20 % من حاجة العالم إلى النفط والغاز المسال وإغلاقه لا يضر بمصالح الدول التي تصدر هذه النسبة بل يمتد الضرر إلى مصالح الدول في آسيا وأوروبا وأي مكان في العالم تستورد فيه هذه المنتجات.

وفق القانون الدولي تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 على عدم جواز فرض رسوم على حق المرور نفسه إلا في الممرات المائية التي حفرت في أراضي بعض الدول مثل قناة السويس وقناة بنما إلا أنها سمحت باستيفاء رسوم لقاء خدمات تقدمها الدول المطلة على هذه الممرات المائية مثل الإرشاد الملاحي أو خدمات تقدمها الموانئ بطلب من البواخر العابرة.

إيران تدير في صراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية ملفات كثيرة خاسرة لعل أبرزها ملف مضيق هرمز، حيث تقف فيه متحدية للقانون الدولي حيث اعتبرته ملفاً تفاوضياً.

فالدول التي تراهن على دعمها هي الأخرى متضررة إزاء غلق هذا المضيق، فارتفاع أسعار النفط الجنوني قد تسبب في أزمات اقتصادية في العالم الغربي بشكل خاص، مما بدأنا نشهد في ضوئه تحركاً أوروبياً للتقارب مع الإدارة الأمريكية ربما يتجاوز الإطار الدبلوماسي وقد يترجم لاحقاً إلى دعم عسكري لفتح المضيق بالقوة.

هذا إضافة إلى أن التناول الإيراني لملفات عدائها مع الولايات المتحدة الأمريكية قد تجاوز كثيراً قدراتها على المواجهة في شتى المجالات مع القوة العظمى الوحيدة في العالم التي لا تجرؤ دول عظمى أخرى على تحدي قدراتها، هذا من جانب..

ومن جانب آخر حولت صلة الجيرة التاريخية مع دول الخليج العربي إلى صلة العداء لهذه الدول، وهو خطأ جسيم جداً، فهذه الدول لا يمكن الاستهانة بقدراتها العسكرية خاصة في المجال الجوي.

الطموح النووي لبعض دول الشرق الأوسط والشمال الأفريقي، ملف أوسعت الولايات المتحدة اهتمامها به تحت ضغوط إسرائيلية شديدة، فقد قصفت إسرائيل منشآت نووية سورية تثير ريبتها وتخلت ليبيا علناً عن طموحها النووي تلافياً لما قد يحصل لها ولا يمكن تجاهل ما عاناه العراق من أزمات مع فرق التفتيش الدولية على مدى سنوات.

إن حجم البرنامج النووي الإيراني الكبير ومدى ما وصل إليه من تقدم في القدرات على تخصيب اليورانيوم يفسر حجم الإجراءات المتخذة لوأده.

الولايات المتحدة لم تكتفِ بالضغوطات العسكرية التي مارستها على إيران بل تعمل على تأليب العالم أجمع لمشاركتها في ذلك، وأن آخرها الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي لنظيره الصيني، فالصين أبرز حلفاء إيران.

الزيارة قربت البلدان من بعضهما البعض وشرعت للتعاون الاقتصادي، حيث قررت واشنطن بيع النفط الأمريكي للصين تعويضاً لها عن النفط الإيراني الذي انقطع بسبب الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية. وأبدت الصين من جانبها رفضها التام لوقف الملاحة في مضيق هرمز ولم تخفِ رفضها لامتلاك إيران للسلاح النووي.