في وقتٍ يزداد فيه العالم هشاشةً، يحلّ اليوم الدولي للتنوع البيولوجي، الذي يصادف 22 من مايو، ليذكّرنا بأن الطبيعة تمثّل أحد أثمن مصادر استقرار كوكبنا، وضمان استمراريته. فالطبيعة ليست رفاهيةً يمكن الاستغناء عنها، بل هي الركيزة التي تقوم عليها اقتصاداتنا ومجتمعاتنا.

ويأتي اليوم الدولي للتنوع البيولوجي هذا العام، تحت شعار «العمل محلياً لتحقيق أثرٍ عالمي»، تأكيداً على أن بناء قدرات الصمود يبدأ من طريقة تعاملنا مع النظم البيئية المحيطة بنا وحمايتها، ومن دور الجهود المحلية في الإسهام بتحقيق الأهداف العالمية للتنوع البيولوجي.

غير أن التنوع البيولوجي لا يزال يُعامَل في أحيان كثيرة بوصفه قضيةً بيئيةً منفصلة، لا جزءاً أصيلاً من الحياة ذاتها. وهو في حقيقته منظومةٌ معرفيةٌ تختزن خبرات تراكمية، تشكّلت عبر آلاف السنين، تتوارثها الكائنات الحية والنظم البيئية.

وتعتمد عليها للبقاء، والصمود في أوقات شُحّ الموارد، والتعافي من الأزمات، والاستمرار في البيئات المعقدة. ومن هنا، فإننا حين نفقد التنوع البيولوجي لا نخسر الطبيعة وحدها، بل نُفرّط في إرثٍ معرفيٍّ راسخٍ لا يمكن تعويضه.

ولعل منطقتنا تُجسّد هذه الحقيقة في أوضح صورها. ففي منطقة الخليج، يحتلّ التنوع البيولوجي مكانه ضمن أهمّ الممرات البحرية وأكثرها ازدحاماً على مستوى العالم.

وعلى الرغم من الأدوار الحيوية التي تؤديها غابات القرم، ومروج الأعشاب البحرية، والشعاب المرجانية، في تعزيز الثروة السمكية وحماية السواحل، ودعم سُبل العيش. إلا أنها تتعرض لضغط هائل، نظراً لقربها من طرق الشحن المكتظة، ومشاريع التوسع العمراني المتسارع على السواحل.

وامتداد هذه النظم الطبيعية عبر الحدود الجغرافية إلى المياه المجاورة، يجعلها شبكةً متّصلةً من الموائل، قد يتفاقم الضغط عليها في خضمّ التوترات الإقليمية، ما يؤكد أن صحة البيئة واستقرار المنطقة مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، أكثر مما يبدو للوهلة الأولى.

هذه النظم ليست مفاهيم نظرية، بل ركائز أساسية. فمن شأن المُلقّحات المحافظة على ديمومة الإنتاج الزراعي، وتدعم الأراضي الرطبة، تنظيم وتخزين المياه، كما تعمل التربة السليمة على تعزيز الأمن الغذائي، فيما توفر النظم البيئية الساحلية حماية طبيعية للمجتمعات.

وحيث إن هذه العمليات تتم بصمت، إلا أنها ضرورة ملحّة لاستمرار الحياة. ومع ذلك، لا يزال التنوع البيولوجي يُعامل كأصل ثانوي، لا كجزء أصيل من معادلة التنمية.

بيد أن هذا الواقع آخذٌ في التحوّل. إذ يتنامى الإدراك العالمي بضرورة التعامل مع الطبيعة، باعتبارها أساساً لرسم مسارٍ أكثر استدامةً نحو المستقبل. ففي قطاع الزراعة، تُسهم الممارسات التجديدية في تحسين صحة التربة، ورفع الإنتاجية في آنٍ معاً. كما تعزّز مبادرات حفظ الطبيعة التي تقودها المجتمعات المحلية، متانة النظم البيئية، ودعم الاقتصادات المحلية.

وما يجمع هذه المقاربات، ليس الابتكار فحسب، بل التنسيق كذلك. فلا يستطيع قطاعٌ بمفرده، ولا دولةٌ بمعزلٍ عن سواها، مواجهة هذه التحديات. وحماية التنوع البيولوجي، وتزداد أهمية هذا الطرح في المناطق التي يرتبط فيها الوصول إلى الموارد الطبيعية ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، فحيث تعاني المناطق من شُحّ المياه، أو هشاشة المنظومات الغذائية، أو تدهور البيئة، يغدو الحفاظ على صحة النظم البيئية شرطاً جوهرياً لاستقرار المجتمعات، ما يجعل التنوع البيولوجي أولويةً استراتيجية.

غير أن بلوغ ذلك يستوجب إعادة النظر في طريقة تقديرنا للطبيعة. فعلى مدى عقودٍ، تعامل العالم مع منافع الطبيعة باعتبارها أمراً مُسلَّماً به، ولم يُدرك قيمتها الحقيقية إلا حين شحّت أو غابت، وأفضى هذا النهج إلى ترسيخ أنماطٍ من القرارات قصيرة الأمد، أسهمت في استنزاف شريان الحياة الذي يُغذّي كوكبنا.

ومما يبعث على التفاؤل، أن هذا التحوّل في طرق التعاطي مع الطبيعة، يكتسب زخماً متزايداً. فالحكومات باتت تُدرج التنوع البيولوجي ضمن أولوياتها الوطنية، والشركات تُعيد تقييم دور الطبيعة في استدامة سلاسل الإمداد على المدى البعيد، فيما تتّجه المؤسسات المالية نحو تمويل جهود حفظ الطبيعة واستعادتها.

وفي الوقت ذاته، يحظى الدور المحوري للمجتمعات بتقديرٍ متنامٍ. وقد أثبتت الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، على وجه الخصوص، قدرتها على إدارة النظم البيئية بأساليب توازن بين تلبية احتياجات الإنسان وصون البيئة، فيما تُجسّد معارفها المتوارثة نماذج مُلهِمة لتعزيز المرونة، وبناء قدرات الصمود والمحافظة عليها على المدى البعيد.

وفي المحصّلة، لا يُمثّل اليوم الدولي للتنوع البيولوجي مناسبةً للاحتفاء فحسب، بل فرصةً لإعادة ضبط البوصلة. ففي عالمٍ يزداد تعقيداً وترابطاً، لا يبنى مستقبل مستقر على أسسٍ هشة، بل لا بد أن يستند إلى أنظمةٍ قادرة على الصمود والاستمرار، والطبيعة خير شاهدٍ على ذلك.

ويبقى السؤال الجوهري قائماً: هل نحن مستعدون للتعامل مع التنوع البيولوجي بوصفه أصلاً استراتيجياً لا أصلاً ثانوياً، وأن نعمل بمقتضى هذا الإدراك؟ ففي عالمٍ يتسم بالتعقيد والتغير، قد لا يكون مصدر قوتنا الأكبر شيئاً جديداً يحتاج إلى ابتكار، بل شيء قائم يحتاج إلى الحماية والصون.