بعض الأوطان تُقاس قوتها بما تملكه من سلاح، بعض الأوطان تُقاس قوتها بما تملكه من رؤية وثقة وقدرة على تحويل التحديات إلى فرص للنهوض، بعض الأوطان تجمع بين القوتين. الإمارات العربية المتحدة دولة بَنَت نفسها على مشروع حضاري طويل النفس، يعرف إلى أين يتجه، ويعرف في الوقت ذاته كيف يحمي نفسه وسط منطقة تموج بالصراعات والتقلبات.
المنطقة التي نعيش فيها لم تعرف الاستقرار الكامل منذ عقود. الحروب تتنقل من جغرافيا إلى أخرى، والمشاريع الأيديولوجية تبحث لنفسها عن موطئ قدم، والجماعات المسلحة تحاول أن تفرض حضورها من خلال الفوضى والابتزاز والترهيب.
وفي قلب هذا المشهد، كانت الإمارات هدفاً دائماً لكل من يزعجه نموذج الدولة الحديثة، أو يضيق ذرعاً بفكرة النجاح الممكن تحقيقه دون الاعتداء على أحد أو التمدد خارج حدوده.
الاستهداف الإرهابي لمحطة «براكة» للطاقة النووية النظيفة، مؤشر خطير على طبيعة المرحلة، وعلى حجم الاستهتار بأمن المنطقة وسلامة شعوبها. فحين تُستهدَف منشآت مدنية أو حيوية، فإن الرسالة لا تكون موجهة إلى دولة بعينها، وإنما إلى الاستقرار الإقليمي بكامله.
وحين يصبح المدنيون والبنية التحتية أهدافاً مشروعة في حسابات بعض الأطراف، فإننا نكون أمام انحدار أخلاقي وسياسي خطير، لا يمكن التقليل من شأنه.
الإمارات التي خبرت جيداً طبيعة هذه التحديات، لم تتعامل يوماً بعقلية الانفعال. فمنذ قيام الاتحاد، اختارت الإمارات أن تكون دولة بناء وتنمية، لا دولة شعارات ومغامرات. ولهذا استطاعت أن تحقق ما عجزت عنه دول تمتلك ثروات أكبر، وتشغل مساحات أوسع، لكنها افتقدت الرؤية، وغرقت في صراعات الداخل والخارج، ومشاريع التمدد الفاشلة.
ما يزعج خصوم الإمارات حقاً، هو قدرتها على الاستمرار في التقدم، رغم كل شيء. يزعجهم أن يروا الإمارات تواصل صناعة المستقبل، بينما تتساقط حولها مشاريع الخراب.
ويزعجهم أن تتحول هذه الدولة إلى مركز عالمي للطاقة والاستثمار والتسامح والتعايش، في وقت لا تزال فيه بعض العواصم أسيرة خطاب الكراهية والثأر والمظلومية.
محاولات الضغط على الإمارات، أو تهديدها، أو استهدافها، ليست جديدة. الجديد هو الأدوات والأساليب. مرة عبر الحملات الإعلامية المنظمة، ومرة عبر الخلايا التخريبية، ومرة عبر الاستهداف المباشر أو عن طريق الوكلاء. لكن النتيجة في كل مرة كانت واحدة، الإمارات تخرج أكثر تماسكاً، وأكثر اقتناعاً بصواب طريقها.
آمنت قيادة الإمارات مبكراً بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالسلاح وحده، وإنما ببناء الإنسان، وترسيخ القانون، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. ولهذا لم يكن غريباً أن تتحول الإمارات إلى نموذج عالمي في الاستقرار، رغم أنها تعيش في واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً.
لقد تأسست الإمارات على فكرة أن التنمية هي السلاح الأقوى، وأن الاستثمار في الإنسان أكثر أهمية من الاستثمار في الفوضى، وأن المستقبل يُبنى بالعلم والانفتاح والعمل، دون إهمال جانب القوة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن هذه الرؤية كانت خياراً استراتيجياً ناجحاً. ففي الوقت الذي كانت فيه دول تنخرط في مشاريع توسعية، كانت الإمارات تطلق مشاريع الفضاء، وتستثمر في الطاقة النظيفة، وتبني المدن الذكية، وتستقطب العقول والاستثمارات، وتؤسس لاقتصاد ما بعد النفط، وتفتح أبوابها للعالم بثقة دولة تعرف قيمتها جيداً.
الذين يراهنون على إخافة الإمارات، أو دفعها للتراجع عن خياراتها، لا يدركون طبيعة هذا البلد. فالإمارات وصلت إلى ما وصلت إليه بإرادة سياسية صلبة، وعمل دؤوب، وإيمان عميق بأن الأوطان تُحمى بالمؤسسات القوية، والاقتصاد المتين، والمجتمع المتماسك.
ولهذا، فإن أي تصعيد يستهدف الإمارات، لن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة، هي مزيد من الالتفاف الشعبي حول قيادتها، ومزيد من الإصرار على مواصلة الطريق. فهذه الدولة التي استطاعت أن تحول الصحراء إلى واحدة من أكثر التجارب التنموية إلهاماً في العالم، لن تخيفها التهديدات، ولن توقفها محاولات الابتزاز.
الإمارات اليوم ليست مجرد دولة ناجحة في محيط مضطرب. الإمارات فكرة تقوم على الاعتدال، والانفتاح، واحترام الإنسان، والإيمان بالمستقبل. ولهذا، فإن الدفاع عنها دفاع عن نموذج حضاري، أثبت أن صناعة النجاح ممكنة، حين تتوافر الإرادة والرؤية.
الذين استهدفوا محطة «براكة» للطاقة النووية النظيفة، خاب مسعاهم، لأن الإمارات وطن يعرف جيداً كيف يحمي إنجازه وحلمه، وكيف يواصل السير إلى الأمام، رغم أنف الذين يحاولون محاربة مشروعه.