لم يكن استهداف محيط محطة براكة للطاقة النووية في الظفرة حادثاً أمنياً عابراً، بل اختباراً خطيراً لحدود التصعيد في منطقة مثقلة بالاشتعال.

فالمعطيات الرسمية تقول إن طائرة مسيّرة تسببت، الأحد 17 مايو 2026، في حريق بمولّد كهربائي خارج المحيط الداخلي للمحطة، من دون إصابات أو تأثير في مستويات السلامة الإشعاعية، فيما أكدت الهيئة الاتحادية للرقابة النووية أن سلامة المحطة وأنظمتها الأساسية لم تتأثر وأن الوحدات تعمل كالمعتاد.

هنا تكمن خطورة الاعتداء الغادر، فالهدف لم يكن منشأة تقليدية، بل جزءاً من بنية نووية سلمية تؤمّن، وفق مؤسسة الإمارات للطاقة النووية، ما يقارب ربع احتياجات الدولة من الكهرباء النظيفة.

لذلك فإن ضرب محيط براكة لا يستهدف حجراً أو مولداً فحسب، بل يوجّه رسالة تهديد إلى أمن المنطقة واستقرارها وسلامة المدنيين، وأمن الطاقة، وثقة العالم في تحييد المنشآت النووية السلمية عن منطق الحرب.

بيان وزارة الدفاع زاد الصورة وضوحاً وحذراً في آن. ثلاث مسيّرات دخلت من جهة الحدود الغربية؛ أُسقطت اثنتان، وأصابت الثالثة مولداً خارج المحيط الداخلي، بينما بقيت التحقيقات جارية، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن الهجوم لم يكن رمزياً فقط، بل اعتداءً إرهابياً على منطقة حساسة، وجرى التعامل معه بقدرات دفاعية حالت دون نتيجة أسوأ.

سياسياً، عكست مكالمة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي انتقال الملف من خانة الإطفاء الميداني إلى خانة القانون الدولي. فاستهداف البنية المدنية الحيوية، كما أكدت الإمارات، انتهاك صارخ، والدولة تحتفظ بحقها في اتخاذ ما يلزم لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها وفق القانون.

من هنا جاءت تغريدة الدكتور أنور قرقاش كقراءة سياسية لا مجرد تعليق، حين يصف استهداف براكة بأنه تصعيد خطير يخرق القوانين والأعراف، فهو يضع الواقعة في إطارها الأوسع وهي محاولة إدخال المنشآت المدنية الحيوية في قاموس التخريب والترهيب.

وعبارته: «لن يلوي أحد ذراع الإمارات» ليست شعاراً انفعالياً، بل إعلان ثقة بدولة بنت أمنها على مؤسسات، ودفاع، ورسالة تنموية لا تريد الحرب لكنها لا تقبل الابتزاز.

البعد الاستراتيجي الأخطر أن مثل هذا الهجوم يضغط على ثلاثة مستويات دفعة واحدة أولها السيادة الوطنية، وثانيها السلامة النووية، وثالثها أمن الطاقة الإقليمي. وقد عبّر غروسي عن قلق بالغ.

مؤكداً أن أي نشاط عسكري يهدد السلامة النووية غير مقبول، وأن مستويات الإشعاع بقيت طبيعية. وبذلك يصبح الاعتداء إنذاراً مبكراً فحتى عندما تفشل الضربة في إحداث كارثة، فإن مجرد الاقتراب من منشأة نووية سلمية يفتح باباً يجب إغلاقه دولياً وبحزم.

لهذا، فإن الرد الأهم لا يقتصر على إطفاء الحريق، بل على تثبيت قاعدة دولية صارمة بأن المنشآت النووية السلمية ليست مساحة مناورة لأي صراع، وأن سيادة الدولة خط أحمر. وبقدر ما بدت محطة براكة آمنة، بدا الاعتداء عليها دليلاً على أن الفوضى حين تُترك بلا ردع، تصبح تهديداً للعالم لا للإمارات وحدها.