المعروف أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية تأسس في شهر مايو من عام 1981، كمنظومة إقليمية، منبثقاً عن اجتماع قمة عقد في أبوظبي في الفترة من 25 إلى 26 مايو من تلك السنة، بحضور أصحاب الجلالة والسمو من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان والبحرين وقطر والكويت.

ومذاك توالى على منصب الأمين العام للمجلس سبع شخصيات من الدول الأعضاء الست، وهم: الكويتي عبدالله يعقوب بشارة (من 1981 إلى 1993)، والإماراتي الشيخ فاهم بن سلطان القاسمي (من 1993 إلى 1996)، والوزير والدبلوماسي السعودي المخضرم الشيخ جميل بن إبراهيم الحجيلان (من 1996 إلى 2002)، والقطري عبدالرحمن بن حمد العطية (من 2002 إلى 2011)، والبحريني الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني (من 2011 إلى 2020)، والكويتي الدكتور نايف فلاح الحجرف (من 2020 إلى 2023)، والكويتي جاسم محمد البديوي (من 2023 إلى الآن).

في مقالات سابقة وثقنا لسيرة وجهود الأمينين العامين الثاني والثالث الشيخين فاهم القاسمي وجميل الحجيلان، وسنحاول في هذه المادة بالقدر المتاح من المعلومات توثيق سيرة وجهود الأمين العام الرابع عبدالرحمن بن حمد العطية، الذي شهد عهده الكثير مما يستحق الذكر في مسيرة أقطارنا الخليجية نحو البناء والتنمية والتنسيق والتضامن.

تعرفت شخصياً على العطية لأول مرة في البحرين إبان انعقاد القمة الخامسة والعشرين لمجلس التعاون التي استضافتها المنامة يومي 20 و21 ديسمبر 2004 تحت اسم «قمة زايد» تقديراً لدور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في تأسيس مجلس التعاون وبناء الكيان الاتحادي الإماراتي.

وأتذكر أنه خصني بتحية حارة وأشاد بكتاباتي في الصحافة الخليجية، قبل أن يفاجئني باستفسار عن طبيبة بحرينية مشهورة على مستوى منطقة الخليج في جراحة وعلاج العيون. وحينما أخبرته أني أعرف الطبيبة شخصياً، طلب مني أن أساعده في حجز موعد عاجل لديها، لأنه كان يشكو وقتذاك من آلام في عينيه، ووقت تواجده في البحرين محدود. هذه الواقعة كشفت لي عن شخصية لطيفة وآسرة وودودة ومتواضعة، لم يغرها المنصب ولم تقيده البروتوكولات ولم يحل المركز بينه وبين آحاد الناس.

وهذا ما أكده الصحفي السوداني محمد المكي أحمد، الذي رافق العطية لسنوات وارتبط معه بصداقة وطيدة، بل وعمل مستشاراً إعلامياً (غير متفرغ) له خلال فترة توليه أمانة مجلس التعاون.

حيث كتب المكي في صحيفة «التحرير» السودانية (15/3/2025) نصاً وصف فيه العطية بالإنسان الهمام، الشهم، الكريم، المتواضع، أصيل المواقف والطبع، وأشاد بمواقفه الإنسانية العديدة تجاه أصدقائه ومعارفه، وأسلوبه الراقي في التعامل مع كل الناس باحترام.

مضيفاً أنه اعتاد أن ينادي العطية بالصديق التاريخي «لأن صفة التاريخي تعني الحقيقة، وأعني أن التاريخ الناصع للإنسان يروي وقائع، ويكشف حقائق، ليس في مقدور أحد تجاهلها، أو غض الطرف عنها، لأنها مثل الشمعة تنشر الضوء، وتشع نوراً».

ولد عبدالرحمن بن حمد العطية بمدينة الدوحة بتاريخ 15 أبريل سنة 1950، وأنهى بها مراحل تعليمه العام مع أواخر ستينات القرن العشرين، قبل أن يحصل على بعثة دراسية إلى الولايات المتحدة لإكمال تعليمه الجامعي. وتشير سيرته الذاتية المنشورة أنه سافر إلى الولايات المتحدة والتحق هناك بجامعة ميامي في ولاية فلوريدا التي تخرج فيها عام 1972 حاملاً درجة البكالوريوس في الجغرافيا والعلوم السياسية.

بدأ العطية، المتزوج من السيدة الجامعية المثقفة الدكتورة أسماء العطية، والأب لابنين وأربع بنات، حياته المهنية فور تخرجه في جامعته الأمريكية بالعمل في وزارة الخارجية القطرية الناشئة آنذاك، فشغل المناصب التالية وهي:

القنصل العام لدى الاتحاد السويسري بمدينة جنيف ( 1974- 1981)، سفير ومندوب دائم لدى المقر الأوروبي للأمم المتحدة والمنظمات الدولية في جنيف ومندوب دائم لدى منظمة الأغذية والزراعة في روما (1975 ــ 1981)، سفير فوق العادة مفوض لقطر لدى السعودية (1981 ــ 1984)، وفي الوقت نفسه سفير ومندوب لدى منظمة المؤتمر الإسلامي في جدة وسفير غير مقيم لقطر في صنعاء (1981 ــ 1984)، مندوب دائم لقطر لدى منظمة اليونسكو في باريس (1984 ــ 1990).

إلى ذلك شغل منصب السفير فوق العادة غير المقيم لدى كل من جيبوتي وفرنسا وإيطاليا واليونان والاتحاد السويسري. ثم تولى في الفترة من عام 1998 وحتى عام 2001 منصب وكيل وزارة الخارجية القطرية، وفي الفترة من عام 2001 وحتى 2002 منصب وزير دولة في الحكومة القطرية.



وهكذا تشرب العطية العمل الدبلوماسي منذ شبابه المبكر، وترسخت لديه مفاهيمه وأسراره من خلال المشاركة في الوفود القطرية أو قيادتها إلى العديد من المؤتمرات والاجتماعات العربية والإقليمية والدولية، حيث شارك في كافة اجتماعات جامعة الدول العربية منذ عام 1972 وحتى 2001، وكان حاضراً في مؤتمرات قمم دول وحكومات عدم الانحياز التي عقدت في الجزائر سنة 1973، وكولومبو سنة 1976، وهافانا سنة 1979.

ومشاركاً في الاجتماعات الوزارية التمهيدية لمجموعة الـ 77 في كل من سريلانكا وإندونيسيا والفلبين وتنزانيا، وممثلاً لقطر في مؤتمرات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية التي عقدت في السبعينات في كل من نيروبي ومانيلا وبانكوك، وأيضاً في مؤتمر الأمم المتحدة للتعاون الاقتصادي بين الدول النامية في العاصمة المكسيكية سنة 1976. وفي الفترة ما بين عامي 1985 و1992 تولى منصب المحافظ المناوب لدولة قطر لدى الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (الإيفاد).

إلى ما سبق شارك كعضو في وفود قطر إلى الاجتماعات السنوية لمنظمة العمل الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، والاتحاد الدولي للمواصلات السلكية واللاسلكية، والمنظمة العالمية للملكية الفكرية، والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وذلك خلال الفترة من عام 1975 إلى 1981.

كما شارك في مؤتمرات وزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقدة في النيجر وبنغلاديش والرباط والدار البيضاء والدوحة، وفي مؤتمرات القمة الإسلامية في الدار البيضاء وإسلام آباد وطهران والدوحة خلال عقدي الثمانينات والتسعينات.

هذا ناهيك عن عضويته في الوفد القطري إلى دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك من الدورة الثامنة وحتى السادسة والخمسين، وعضويته في الوفد القطري إلى اجتماعات وزراء خارجية إعلان دمشق في كل من الكويت والقاهرة ومسقط والدوحة.

في عام 1977 قاد وفد قطر إلى مؤتمر تنظيم العلاقات الدولية بين الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة من جهة والدول المضيفة من جهة أخرى، الذي انعقد في العاصمة النمساوية. وفي السنة نفسها ترأس الوفد القطري إلى اجتماعات اللجنة الاقتصادية لغرب آسيا التي انعقدت في الدوحة، وكرر ذلك في السنة التالية حينما انعقدت اجتماعات تلك اللجنة في العاصمة الأردنية.

كما ترأس وفد قطر إلى اجتماع وكلاء وزارات خارجية دول الخليج العربية التي عقدت في الرياض (1996) والمنامة (2000)، والاجتماعات الوزارية لدول الخليج العربية مع نظرائها في الاتحاد الأوروبي في كل من لوكسمبرغ (1996) والدوحة (1997) والمنامة (2001). واجتماعات المؤتمر الدولي للمناطق الخالية من الأسلحة النووية التي عقدت في طشقند سنة 1997.

ومما لا شك فيه أن انخراط الرجل في أعمال وأنشطة كل هذه المؤتمرات والكيانات الإقليمية والدولية أكسبه ثراء معرفياً واطلاعاً واسعاً على شؤون العالم وخبرة في العملين السياسي والدبلوماسي، وصداقات مع مسؤولين كبار في الشرق والغرب، فتألق بين زملائه في أروقة الخارجية القطرية، وصار نجماً من نجومها الدبلوماسية.

لذا لم يكن غريباً أن يقع الاختيار عليه في عام 1981 لرئاسة اللجنة المعنية بإعداد هيكل الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهي الأمانة التي رشحته الدوحة لتولي قيادتها حينما انتهت ولاية الشيخ جميل إبراهيم الحجيلان سنة 2002.

وهكذا فبمجرد اختياره أميناً عاماً لمجلس التعاون خلفاً للحجيلان، شمّر عن سواعده للبناء، بحماس ورؤية عصرية، فوق ما تركه سلفه من إنجازات. حيث شهدت فترة توليه مسؤوليات الأمانة العامة لمجلس التعاون إنجازات كبرى في مجالات العمل الخليجي المشترك، واتسم خطابه السياسي والإعلامي بالشفافية ومخاطبة أمهات القضايا التي تهم المواطن الخليجي والعربي، مع التشديد دائماً على حقوق «المواطنة الخليجية» وضرورة الارتقاء بأداء المجلس إلى مستوى تطلعات الشعوب الخليجية.

ففي حواره مع صحيفة «الشرق» القطرية (5/12/2023)، نجده يقول: «أرى أن دول الخليج في أمس الحاجة خلال هذه المرحلة المهمة إلى أن تشهد خطوات جديدة نحو إدخال إصلاحات شاملة في مجلس التعاون، سواء بالسعي نحو تحديث دعم وتطوير مجالات عمل الأمانة العامة وصلاحياتها، مع ضرورة إعطاء اهتمام أكبر لنبض الشعوب التي تتطلع إلى إنجازات أكبر وهي ترى أن ما تحقق لا يلبي طموحاتها، وخصوصاً طموحات جيل الشباب من البنين والبنات». كما نجده يشيد بدور وشخصية مؤسس الدبلوماسية الكويتية وأمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح قائلاً:

«الراحل الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله رحمة واسعة، كان قيادياً كبيراً وشخصية فذة ومتعددة الصفات، سواء في الجوانب القيادية أو الإنسانية الشخصية، وقد ربطتني به علاقة احترام عميق الجذور ومودة متبادلة»، ونجده يشيد أيضاً بدور خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز لجهة دعم العمل الخليجي المشترك ونصرة القضايا العربية والإسلامية بروح عربية صادقة. وعلى نفس المنوال، لم ينس العطية أن يشيد بسلفه الشيخ جميل الحجيلان، فقال:

«إن الأستاذ جميل الحجيلان رجل صاحب تجارب ثرية وكان قد تولى موقع الأمين العام في توقيت دقيق وصعب وبذل جهوداً كبيرة في عمله، وهو محل تقديري واحترامي». ومما قاله في الحوار نفسه عن الإعلام والإعلاميين:

«لن ينجح أي مسؤول في أي موقع إذا تعالى على الإعلاميين، أو أغلق مكتبه أمامهم أو أحاط عمله بسياج مانع. سيكون المسؤول في هذه الحالة هو الخاسر الأكبر، لأنه بالتقوقع والانكفاء داخل مكتبه سيضرب الشفافية المطلوبة وحق الناس في معرفة المعلومات الضرورية والعادية وليس الأسرار.

بعض المسؤولين في منطقتنا وعالمنا العربي لا يفرقون بين أهمية تدفق المعلومات كحق للشعوب لتشكيل رأي عام يدعم أعمالهم وأي جهد إيجابي وبين ما يعتقدون بأنه أسرار، وهي في أوقات كثيرة ليست أسراراً في عالم اليوم الذي بات فيه المواطن إعلامياً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا معناه أن من الأفضل تمليك الناس الحقائق بدلاً من ترك المجال واسعاً للشائعات».

ومما يجدر بنا ذكره أنه تم التجديد للعطية كأمين عام لمجلس التعاون الخليجي مرتين، أولاهما في عام 2005، وثانيتهما في عام 2008. وبصفته تلك أتيحت له مرة أخرى المشاركة في العديد من المؤتمرات والمنتديات والاجتماعات العربية والإقليمية والدولية، ومنها كل الاجتماعات الخليجية التي عقدت منذ عام 2002 على المستوى الوزاري أو مستوى القمة.

هذا قبل أن يودع عمله في الأمانة العاملة ويعود إلى وطنه وهو يحمل العديد من أوسمة التكريم، ومنها: وسام «جوقة الشرف» بدرجة قائد من فرنسا سنة 1985، وسام «الاستحقاق» برتبة «ضابط كبير» من إيطاليا سنة 1992، وسام «فارس» من الدرجة الأولى من فرنسا سنة 1993.

وسام «الأرز الوطني» برتبة كومندور من لبنان سنة 2004، وسام «الاستقلال» من الدرجة الأولى من دولة الإمارات سنة 2005، وسام «الوحدة الوطنية» من اليمن سنة 2006، وسام «النيلين» من السودان سنة 2007، «الوسام الماسي» للقيادات الرياضية التي خدمت العمل الرياضي المشترك بدول مجلس التعاون سنة 2010، وسام «الاتحاد» من الدرجة الأولى من دولة الإمارات سنة 2011، وسام «العمل المدني» من الدرجة الثانية من سلطنة عمان سنة 2011.

ووسام «البحرين» من الدرجة الأولى من مملكة البحرين سنة 2011. إلى ما سبق نال العطية أوسمة وميداليات تكريمية من حكومات ومنظمات في إندونيسيا والفلبين والأرجنتين، ومن الصندوق الدولي للتنمية الزراعية.

ونختتم بالإشارة إلى أنه بعد انتهاء مهام العطية في مجلس التعاون، رشحته قطر، لتولي منصب الأمين العام للجامعة العربية، خلفاً للمصري عمرو موسى، الذي لم يرغب آنذاك في التجديد له بسبب خوضه انتخابات الرئاسة المصرية، لكن ترشيحه قوبل بالرفض من الحكومة المصرية.