الرابع عشر من مايو، في الذاكرة الجمعية الإماراتية ليس مجرد تاريخ سياسي يرتبط بذكرى تولي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، رئاسة دولة الإمارات، بل تستحضر فيه الإمارات مرحلة كاملة أعيد فيها تعريف الدولة الحديثة، حيث رسخت القيادة الإماراتية نموذجاً مختلفاً في الحكم والإدارة والرؤية، هي مرحلة تحول استراتيجي، نقل الإمارات إلى مستوى متقدم من الحضور الدولي والتأثير والفاعلية في القضايا الدولية.

عندما تولى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد الرئاسة، كانت المنطقة تعج بالكثير من الأزمات والاضطرابات، وتعيش حالة إنهاك سياسي واقتصادي وأمني، وتتزاحم فيها التيارات الفكرية والمؤدلجة الساعية لفرض مشروعاتها التي تسببت في الفوضى والاستقطابات والصراعات.

في هذه اللحظة، اختارت دولة الإمارات بحكمة قيادتها طريقاً مختلفاً، طريقاً بلا ضجيج، اختارت أن تبني بهدوء، وتخطط بعقلانية، وتتحرك بثقة. باختصار، الإمارات تعرف ماذا تريد؟ وأين تريد أن تصل؟

في ظل حكم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد تحولت الإمارات إلى دولة فاعلة ومؤثرة دولياً في العديد من الملفات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية وملفات الطاقة والذكاء الاصطناعي، هذا التحول ليس نتيجة ظرف عابر أو طفرة مؤقتة، بل هو نتاج رؤية استراتيجية ترى أن قوة الدول تقاس بقدرتها على التأثير وامتلاك القرار وبناء الإنسان وصناعة المستقبل.

ما يميز صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد أنه يقرر ويبني على فهم ووعي لا على انفعال أو ردة فعل، فمن سماته العمل الهادئ، والرهان على النتائج، لذا لا مكان للإمارات في ساحات الشعارات الفارغة، فهي لا تتعامل مع السياسة على أنها مساحة للصخب الإعلامي أو المزايدات الأيديولوجية، هنا نقول إن السياسة في المفهوم الإماراتي هي فن حماية الاستقرار وتعزيز الأمن وصناعة الفرص لمزيد من الرفاه والتنمية.

اليوم، الإمارات ليست مجرد دولة ناجحة، بل دولة تملك سرديتها الخاصة، وهذا إنجاز استراتيجي في منطقة دولها رهينة لسرديات الآخرين، لقد نجحت في صناعة صورتها وفرضها كنموذج للتنمية والاستقرار والتسامح والانفتاح، وفي الوقت ذاته تمتلك سيادة قراراتها، وواثقة من مشروعاتها الوطنية.

فلسفة الحكم لدى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد تقوم على فكرة مركزية واضحة «الإنسان أولاً»، لذا الاستثمار في المشروعات العملاقة والمجالات المختلفة لم يكن بعيداً عن التعليم والصحة وجودة الحياة والثقافة وتعزيز الوعي، فالقيادة الإماراتية تدرك جيداً أن بناء المدن أسهل بكثير من بناء الإنسان الواعي القادر على حماية وطنه ومكتسباته.

ولأن الإنسان هو محور اهتمام القيادة أصبحت الإمارات جاذبة للكفاءات والمواهب والاستثمارات، فالاستقرار في الإمارات ليس أمنياً فقط، بل استقرار شامل قائم على الثقة في مؤسسات الدولة، ووضوح رؤية القيادة، وسرعة اتخاذ القرارات ودقتها، وكفاءة الخدمات الحكومية ومرونة الاقتصاد، كل ذلك وغيره جعل الإمارات مركزاً عالمياً للأعمال والاستثمارات.

ولعل من أهم التحولات في عهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد تحويل مفهوم التسامح من شعار ثقافي إلى مشروع دولة، ففي الإمارات التسامح والتعايش ليس شعاراً، بل جزء وعنصر من استقرار المجتمع، فتنوع الجنسيات بمختلفات ثقافاتها ينظر له في الإمارات بأنه مصدر قوة لا مصدر تهديد.. لذا هي نموذج عالمي في الاعتدال والتسامح والتعايش، في وقت تعاني المنطقة من التطرف وخطابات الكراهية والعنصرية والانقسام، وفي المقابل نجحت دولة الإمارات في تعزيز وترسيخ معادلة إماراتية بامتياز تجمع بين الحفاظ والفخر بالهوية الوطنية والانفتاح على العالم.

أما في السياسة الخارجية، نجد الإمارات أكثر ثقة وقوة ووضوحاً في حماية مصالحها الوطنية، وفق رؤية واستراتيجية، لا وفق ردود أفعال، وهذا يتضح من خلال علاقاتها المتوازنة مع جميع الدول كالولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا وغيرها، وذلك دون التحيز أو الوقوع في فخ الاستقطابات الدولية، هذه القدرة على التوازن دليل نضج سياسي، وفهم وإدراك لطبيعة النظام الدولي المتغير.

كما أن الملفات الإنسانية والتنموية والتحركات الدبلوماسية لخفض التوترات تعد جزءاً من هوية الإمارات، حيث إنها تعتبر قوة استقراراً، وبالطبع هذه الرؤية والسياسة لم يكن طريقها خالياً من التحديات، فمن الطبيعي أن المشروعات الناجحة تواجه حملات من التشويه والاستهداف السياسي والإعلامي، إلا أن العقلية الإماراتية لا ترد على الضجيج بالضجيج، وخير الردود مزيد من الإنجازات والنجاحات. النموذج الإماراتي يثبت أن الدول يمكن أن تكون قوية دون صخب، مؤثرة دون عدوانية، منفتحة على العالم دون فقدان هويتها، متقدمة دون أن تنفصل عن قيمها وثقافتها.