منذ تأسيسه في أبريل 1949، لم يسبق لحلف الناتو أن مر بأجواء مشوبة بالتوترات الداخلية، المؤطرة ببيئة خارجية تتسم بعدم اليقين، كالتي يعيشها في الوقت الراهن. أطلت هذه الأجواء بفعل مداخلات الرئيس الأمريكي ترامب السلبية تجاه الحلف أثناء ولايته الأولى، ثم تلبدت وغدت أكثر قتامة في عهد ولايته الثانية، على نحو راح يثير التساؤل بشأن كينونة الحلف برمته.

في ولايته الأولى، تمحورت انتقادات ترامب حول الأعباء المالية الفائضة التي تتحملها بلاده، قياساً بالشركاء الآخرين الذين رآهم كسالى ومتواكلين انتهازيين، ومطالبته إياهم بزيادة مخصصاتهم الدفاعية إلى 5 % من نواتجهم الإجمالية.. لكن سياق الحرب الإيرانية، في ولايته الحالية، كان كاشفاً بقوة لما هو أعمق من أصول التباين بين منظوره الأمريكي وبين منظوراتهم لوظيفة الحلف. فهو يعتقد أن أحد الأسباب الرئيسة لانضمام الولايات المتحدة للناتو، هو قدرتها على نشر قواتها في أوروبا، للتدخل في حالات الطوارئ، الأمر الذي ثبت الآن أنه غير ممكن، بالنظر لتمنع معظم الشركاء عن السماح بذلك.

مؤدى هذا أن واشنطن ترامب تقارب الناتو باعتباره أحد أدوات سياساتها الخارجية، بحسب أهدافها الاستراتيجية، بغض النظر عن تكييفات وتقديرات بقية الشركاء، بل وبدون التشاور معهم!

من التأمل في مسار التلاوم مع هؤلاء الشركاء، المتمنعين أو «المتمردين»، نفهم أن ترامب لم ينشغل بنصوص مواثيق الحلف المحددة لسبل النصرة والشراكة في أوقات الحرب، ومضى إلى التعامل معهم بفظاظة، صعوداً إلى اتخاذ، أو التهديد باتخاذ، إجراءات عقابية ضدهم، فرادى ومجتمعين.. ومن ذلك أنه قرر سحب جزء من قواته في ألمانيا، وتوعد إيطاليا وإسبانيا بإجراء مماثل، وأنذر الأخيرة بتعليق عضويتها في الحلف، وفرض قيود تجارية عليها، وتحدث عن احتمال إعادة تموضع قواته في القارة العجوز، بتركيزها في الدول المؤيدة له، مثل بولندا.. وعلى الرغم من علاقته، الدافئة نسبياً، مع كل من رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، وكير ستارمر رئيس الوزراء البريطاني، إلا أنه لم يستثنهما من غضبته، فوجّه للأولى انتقادات حادة، ولوح للثاني بمراجعة سياسة واشنطن إزاء مطالب لندن بفرض السيادة على جزر فوكلاند.

هذا المشهد أوحى لبعض المتابعين والمعنيين، بأن عمليات التشبيك والتعاون الجماعي رفيعة المستوى، التي وسمت علاقة جناحي عالم الغرب على جانبي الأطلسي، لنحو ثمانين عاماً في كنف الناتو، أمست غامضة وضبابية، وقد تتدحرج إلى فقدان البوصلة والفعالية، حتى لا نقول التصدع ثم التفكك والأفول.

على أنه قبل الاطمئنان إلى هذه النتيجة التشاؤمية، ربما تعين على أصحابنا النظر في جوانب وأبعاد أخرى، تدخل في صلب محددات مستقبل الناتو ومآلاته.. فآراء ترامب إزاء الحلف تبدو مشتقة من طباعه وقناعاته، الموصوفة بالتسرع والشخصانية المفرطة، بل وربما مالت أحياناً إلى السطحية والوقوع في دائرة التذبذب بين الموقف ونقيضه! والرجل في التحليل الأخير، ليس طليق الإرادة في إنفاذ ما يراه.. بمعنى أن هناك ضوابط وقيوداً لا يمكن له تجاوزها. منها، مثلاً، اعتقادات بعض مؤسسات الدولة العميقة، بأن الضغوط على الشركاء الأوروبيين، لا تضر بهم فقط، وإنما قد تفضي إلى أضرار جسيمة بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية في الإطار العالمي.. فانتشار أكثر من 85 ألف جندي أمريكي في زهاء 50 قاعدة ومكون عسكري في أوروبا، لا يخدم فقط أمن الأوروبيين، بل هو أمر لا غنى عنه كمنصة للحراك السريع في الشرق الأوسط ووسط آسيا وأفريقيا، وتعزيز مفردات الردع ضد روسيا، وربما الصين أيضاً.

فضلاً عن ذلك، لا يصح إغفال طبيعة النظام الأمريكي، التي لا تسمح للبيت الأبيض، كائناً فيه من كان، بالانفراد كلياً بقرارات السياسة الخارجية الفارقة بشدة، كما هو الحال مع مصير حلف عسكري صمد طويلاً، وكان، ولعله ما زال، عنصراً فاعلاً في إنجاز «العظمة الأمريكية» على قمة النظام الدولي، التي يستأنس بها ترامب في خطاباته النظرية وسياساته العملية ليل نهار. ندفع بذلك، وفي الخاطر أن الانتخابات النصفية للكونجرس في الخريف المقبل، قد تغير الموازين التشريعية لغير صالحه.

ومما يستحق التفنيد في هذا السياق، تلك الفرضية المؤثرة في تنمر ترامب وبطانته الفائض على الشركاء الأوروبيين، هي أنهم من الهزال، الأمني بالذات، بحيث لا يمكنهم الاستغناء البتة عن مظلة الحماية الأمريكية.. والحال، أن التمعن في مكونات قوة هؤلاء الشركاء الشاملة، تدعو للتشكيك في صحة هذه الفرضية..لا سيما إن اجتمعوا على كلمة دفاعية وسياسة سواء بينهم، وهو متغير جائز ومحتمل، إن استمر الضغط الأمريكي وغير الأمريكي.