يعتبر (التغير) أحدَ قوانين الحياة الرئيسة، ويشمل مختلفَ جوانبها البيولوجية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.. إلخ، فهو سُنة كونية حتمية لا تتخلف، يعبر عنها القولُ المأثور (دوامُ الحال من المحُال). والتغيرُ هو السبيلُ إلى التجدد وتدفقِ دماء جديدة في شرايين الحياة، ولولاه لظلت الأجيالُ المتعاقبة تجتر نفسَ الأنماط المعيشية التي عاشها أسلافُها عبر القرون، وهذا يعني جمودَ الحضارة.

وكما أن مجتمع الإمارات عاش نقلة نوعية في حياته المادية خلال الحقبة السابقة، التي تلت اختفاء حرفة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، حتى قيام الاتحاد (1971م)، ثم تسارعت وتيرة التطور بشكل هائل بعد قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، فكذلك شمل التغيرُ الجانبَ الثقافي من حياة المجتمع المحلي، والذي يمثل التراثُ الشعبي جانباً هاماً وركناً رئيساً من أركانه.

وقد تفاوتت عناصرُ التراث الشعبي من حيث تأثرها بعوامل التغير، فالتراث المادي (كالعمارة -الزي – الغذاء – الحِرف – أدوات وأساليب الإنتاج..)، كان أكثرَ قابلية للتجديد، إذ اختفت أكثرُ وسائل العيش التقليدية القديمة، وحلت محلها وسائلُ حديثة متطورة، ذاتُ كفاءة عالية، تُعد من أرقى ما أنتجته الحضارة الحديثة، وساعد على ذلك ارتفاعُ مستوى المعيشة في ظل دولة الاتحاد، وطموحُ أفراد المجتمع للأفضل في كل شيء.

ولم تكن عناصر التراث اللامادي بمنأى عن حركة التغير الذي شملها بنسب متفاوتة، بحسب رسوخها في الوجدان الشعبي، ومدى صمودها في وجه الثقافة الوافدة، فقد كانت اللهجة المحلية أكثر من غيرها تأثراً، بحيث تحولت عبر عقود السنين إلى ما يسمى بـ(اللهجة البيضاء) المفهومةِ لجميع أبناء البلاد العربية تقريباً، وهي آخذة في التغير التدريجي دون شك فهذا قانون يسري على جميع اللغات واللهجات المتفرعة منها، كما شهدت (العادات) العامةُ منها والفردية، تغيراتٍ ملموسة، تبعاً لدرجة الثقافة ومدى التأثر بعادات الشعوب الأخرى في الإتيكيت، والاضطرار للتخلي عن بعض الممارسات القديمة العريقة، التي لم تعد تصلح لعالمنا المعاصر، أو العمل على تهذيبها وتشذيبها وإلباسها ثوباً عصرياً. ولعل عنصر (التقاليد) هو من أكثر مكونات التراث الثقافي صلابةً وصموداً في وجه عوامل التغير.

ويعود السبب الرئيس لصمودها، إلى أن كثيراً منها نابع من تعاليم الدين الإسلامي، ما أكسبها صفة الاستمرارية والرسوخ، واستحسان الناس لها، وشعورهم إزاءها بالأمن والطمأنينة. إن التغير أمر حتمي لا مفر منه، ولا تملك أية قوة في العالم منعَه أو إيقافَ حركته كليّاً.

وبالتالي، فإن المطلوبَ هو توجيه حركة التغير والتكيف مع مقتضياته، بحيث يظل التراث الثقافي المحلي محافظاً على خطوطه العريضة وعناصره الرئيسة، ويبقى كأحد أركان ومكونات الهوية الوطنية التي تميز شعب الإمارات عن غيره من الشعوب.