تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة في ترسيخ حضورها الثقافي والحضاري في العالم العربي، ليس فقط عبر المشاريع الاقتصادية والتنموية، بل كذلك من خلال مبادرات حماية التراث وصون الذاكرة التاريخية للشعوب، وفي هذا السياق، يبرز الدور الإماراتي في ترميم وإحياء عدد من المعالم الإسلامية الكبرى، وفي مقدمتها المسجد النوري في الموصل والمسجد الأموي في دمشق، بوصفه امتداداً لرؤية تعتبر أن حماية التراث مسؤولية حضارية تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.

ففي مدينة الموصل، كان المسجد النوري الكبير ومنارته الحدباء أحد أبرز الرموز التاريخية للعراق والعالم الإسلامي، وقد تعرض المسجد لدمار واسع خلال هجمات تنظيم «داعش» الإرهابي، في مشهد صدم الرأي العام العربي والدولي.

لكن الإمارات سارعت إلى تبني مبادرة لإعادة إعمار المسجد ضمن شراكة مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، حيث مولت مشروع إعادة التأهيل والترميم بما أعاد الأمل إلى سكان المدينة، وأكد أن استعادة الحجر تعني أيضاً استعادة روح المكان والهوية الثقافية للمجتمع.

وفي دمشق جاءت مبادرة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، لترميم وتجديد المسجد الأموي الذي يعد أحد أعرق المساجد الإسلامية وأكثرها قيمة تاريخية وفنية.

فالمسجد الذي شهد تعاقب الحضارات الإسلامية منذ العصر الأموي يمثل جزءاً أساسياً من الذاكرة الدينية والثقافية لبلاد الشام. وتأثر المسجد بما تعرضت له سوريا خلال سنوات الحرب، ليبرز الاهتمام الإماراتي بالمساهمة في دعم جهود الحفاظ على هذا المعلم التاريخي، بما يعكس توجهاً ثابتاً نحو حماية التراث العربي من التآكل والاندثار.

ومن الموصل إلى دمشق، تبدو الإمارات وكأنها ترسم مساراً عربياً جديداً عنوانه أن إعمار الإنسان يبدأ بالحفاظ على جذوره، وأن صيانة المساجد التاريخية ليست مجرد ترميم للأحجار، بل ترميم للهوية والوجدان العربي المشترك. الإمارات من المسجد النوري إلى المسجد الأموي.

هذه المبادرات ليست مجرد عملية هندسية، بل رسالة سياسية وثقافية مفادها أن إعادة بناء المدن المدمرة تبدأ من إعادة الاعتبار لرموزها الحضارية والدينية.