أليخاندرو خودوروفسكي، لمن لم يسمع به، مخرج سينمائي ومسرحي وممثل وشاعر ومؤلف ومنتج وملحن ورسام ومعالج نفسي يحمل الجنسيتين التشيلية والفرنسية، من مواليد تشيلي في 7 فبراير 1929 لأبوين مهاجرين من أوكرانيا زمن الاتحاد السوفييتي.

درس علم النفس والفلسفة في تشيلي، لكنه سرعان ما هجر كلّيته وراح يكتب الشعر ويعمل في المسارح وعروض السيرك ممثلاً ومهرجاً قبل أن يتتلمذ على يد كاهن بوذي ياباني، وينتقل للإقامة بالمكسيك، مودعاً مسقط رأسه الذي كره فيه معاملته كابن مهاجر دخيل، وسيطرة رجال الأعمال الأمريكيين على مقدراته.

ولهذا، أخرج معظم أفلامه في المكسيك وعاش لفترة طويلة في فرنسا، وهو اليوم في السابعة والتسعين من العمر، ويردد أنه سيعيش حتى يبلغ 150 عاماً.

جاءت شهرته المدوية كرائد من رواد السينما الحديثة في السبعينيات والثمانينيات من تخصصه في تقديم أعمال توصف بما هو أبعد من السريالية، أي أفلام تحلق بعيداً في ما وراء العقل والمنطق والطبيعة والخيال.

وعلى الرغم من أنه لم يخرج طوال مسيرته الإبداعية منذ 1957، حينما ألف وأخرج الفيلم الفرنسي القصير «ربطة العنق» (La Karavate) وحتى اليوم سوى 19 فيلماً، إلا أن ستة من أفلامه السريالية الغريبة خلقت له صيتاً مدوياً حول العالم.

وتكفينا هنا الإشارة إلى فيلم «الطوير» (El Topo) الذي أخرجه سنة 1970، وهو فيلم يمكن تصنيفه ضمن أفلام الويسترن لكن بلمسات مشبعة بالميثولوجيا والروحانيات والأساطير القديمة، وحينما عرض في نيويورك جنّ به الجمهور، الذي كان جله وقتذاك من الشباب المتمرد على التقاليد.

وقد ظل هذا الفيلم يعرض لمدة ستة أشهر متواصلة في صالة نيويوركية ممتلئة كل ليلة بأكثر من ألف مشاهد.

ولعل ما ساهم أكثر في نجاح الفيلم ومضاعفة شهرة مخرجه هو أن نجم فريق البيتلز الراحل جون لينون حضر وشاهد الفيلم وأثنى عليه، بل أقنع المنتج والموزع الأمريكي المعروف «ألين كلاين» (1931 ــ 2009) بشراء حقوق توزيعه وإقامة عروض خاصة له أمام النقاد، الذين وجدوا أنفسهم أمام موهبة مذهلة، الأمر الذي شجع كلاين على تبني فيلم خودوروفسكي التالي «الجبل السحري» في عام 1973 ونقله للعرض بمهرجان «كان» السينمائي، لكن علاقة المخرج التشيلي بالمنتج والموزع الأمريكي تدهورت لاحقاً بسبب رفض الأول إخراج أفلام وفق رؤية ومزاج الثاني.

فعاقب الثاني الأول بمنع عرض أفلامه على مدى 30 عاماً، إلى أن تصالحا لاحقاً.

ويمكن القول إن ما شجع خودوروفسكي على صناعة فيلم «الطوير» إخراجاً وتأليفاً ومونتاجاً وموسيقى تصويرية هو ما أحاط بأول أعماله السريالية الغريبة وهو فيلم «ناندو و ليز» (Nando y Lis) الذي أخرجه عام 1968، من لغط وإثارة. وتدور حكاية هذا الفيلم حول رحلة رجل وامرأة بحثا عن مدينة خيالية لا يمكن بلوغها أبداً.

وطبقاً لمخرجنا فإن الفيلم عرض لأول مرة في مهرجان أكابولكو السينمائي بالمكسيك، وأن الجمهور المتحمس حوّل قاعة العرض إلى مسرح للشغب، بل أراد قتله، وأنه اضطر للهرب من باب خلفي تفادياً للفتك به.

هذا علماً بأن هذه الأحداث التي رافقت الفيلم والمهرجان تسببت في منع عرضه لمدة 32 سنة، وإلغاء المهرجان.

من أفلامه الأخرى: «توسك» سنة 1980، و«الدماء المقدسة» في عام 1989، و«لص قوس قزح» في سنة 1990 من بطولة عمر الشريف وبيتر أونيل وكريستوفر لي، وهو فيلم فشل جماهيرياً وتبرأ منه المخرج قائلاً إنه أجبر على صناعته من قبل المنتج كي يكون هدية لزوجته.

كما أنه تبرأ من فيلمه «توسك»، وتخلى عنه قبل أعمال المونتاج بسبب مشاكل إنتاجية. أما آخر أعماله فقد كان فيلم «شعر سرمدي» (Endless Poetry) في عام 2016.