حينما تشتد الأزمات، قد يبدو التفاؤل - في نظر البعض - نوعاً من السذاجة، فكيف يتفاءل المرء في أوقات عصيبة؟ ولطالما بالغت الأحداث التاريخية نفسها في رسم نهايات سوداوية، تحت وطأة الخوف وضجيج الحدث، بينما يفاجئ الإنسان العالم بقدرته على النجاة والتكيّف والابتكار.
ولحسن الحظ، فإن الواقع عموماً قد يكتب نهاية مختلفة أقل قتامة مما في عقول البشر. فكل جيل تقريباً ظن ذات يوم بأنه يعيش «بداية النهاية». الرومان خافوا من انهيار الحضارة لكنها امتدت إلى شتى القارات، والأوروبيون ظنوا أن الطاعون الأسود سيقضي على البشرية، لكنها نجت وتكاثرت، سكان لندن توقعوا أن يفنيهم الحريق الكبير عام 1666، لكن عاصمة العالم التجارية استمرت في أبهى حلة.
وكم مرة ساور الإنجليز قلقٌ بقرب نهايتهم الحتمية إما بحرب نووية وإما بغزو كاسح كادت جيوش هتلر النازية أن ترفع فيه العلم الألماني في قلب لندن، مثلما فعلت في باريس، غير أنهم ينجون من كل محنة. صمدت أمتهم وتماسكت لألف عام حتى يومنا هذا.
حذر خبراء الاقتصاد في الستينيات أيضاً من مجاعات جماعية وشيكة، لكن التاريخ كان يكتب نهاية مختلفة تماماً، فقد ازدهرت المجتمعات ووصل خير المدن إلى أقاصي القرى والقفار. في جائحة كورونا رأينا لاحقاً كيف نجت البشرية بفضل الله تعالى الذي حبانا بنور العلم والرعاية الصحية المتقدمة. رأينا ثمرة ابتعاث خيرة شبابنا الذين تحولوا إلى «جيش أبيض» سطر أروع أمثلة التصدي لأكبر جائحة بشرية.
الإنسان بطبيعته يبالغ في تضخيم السيناريو الأسوأ لينجو بجلده من حيوان مفترس، وهي فطرة بشرية. لكن توافر المعلومات في العصر الحديث وتقدم العلوم وأدوات استشراف المستقبل جعلا بين أيدينا مؤشرات يمكن أن تُبدد كثيراً من التصورات المبالغ فيها أو المفرطة في التشاؤم. ذلك أن التشاؤم ينبع من الخوف، والمخاوف لا حدود لها. وأكثر ما يُسَر به «إبليس» انشغال الإنسان في مخاوف ليثنيه عن رحلة العطاء والتألق والأخذ بالأسباب.
الإنترنت نفسه وُلد من رحم الخوف. لم تكن الرفاهية المقصد، إذ كانت بداياته مرتبطة بالتوجس من حرب نووية وشيكة خلال الحرب الباردة. بحثت الولايات المتحدة عن نظام اتصالات لا ينهار بضربة واحدة. فهذا القلق العسكري كان وراء أعظم أدوات المعرفة البشرية. من الإنترنت عبرت كبريات وصغريات الشركات إلى شتى القارات، ودخلت هي والحكومات في جيب كل مواطن وعميل. وصارت تطبيقاته فضاءً مفتوحاً للمبدعين.
من الإنترنت خرجت أشهر وأكبر شركات تأجير السيارات في العالم (أوبر) التي لا تملك في الواقع أصولاً ولا سيارات، بل وظفت الإنترنت في استخدام مركبات الناس وربطهم مع الزبائن. فالمخاوف يمكن تحويلها إلى تفكير إيجابي وحلول مستدامة، مثلما فعل مؤسس أوبر الذي لاحت له الفكرة عندما لم يجد في يوم ماطر سيارة أجرة يستقلها إلى اجتماعاته، لم يندب حظه، بل قدم حلاً لخدمة البشرية.
وعندما خاف الناس في لندن ونيويورك من انتشار روث الخيول التي تستخدم في النقل، في أواخر القرن التاسع عشر، ساورهم القلق من كيفية التخلص من رائحتها النتنة، وخشي البعض أن تتحول الطرقات إلى مستنقعات من الروث. البعض تشاءم بأن استمرارية الوضع آنذاك سوف يؤدي إلى كارثة بيئة لعقود طويلة.
غير أنه مع اكتشاف السيارات تقلص تدريجياً التنقل بالدواب حتى اختفى كلياً، وصار التنقل بعربة تجرها الخيول تجربة سياحية لا تنسى.
قيل إن «التشاؤم يذيقك مرارة الفشل قبل حدوثه»، فالمتشائم يظل أسير التوقع الأسوأ فيفقد القدرة على العمل بروح مفعمة بالأمل. وحتى إن لم يُغيّر التفاؤل مجرى المرض والأزمات فقد يهون وطأة المعاناة.