في الحروب الكبرى، لا تكشف الأنظمة عن قوتها فقط، وإنما تكشف أيضاً عمن يحكمها فعلياً.

في الحالة الإيرانية، بدا واضحاً لعقود أن الولي الفقيه هو مركز السلطة وصاحب القرار النهائي. غير أن ما أظهرته الحرب الأخيرة، وما سبقها من أزمات متراكمة، يكشف أن إيران تعيش تحولاً أعمق من مجرد تبدّل في الوجوه أو موازين النفوذ. إنه تحول يمس طبيعة السلطة نفسها.

فمنذ تنصيب المرشد الجديد، الغائب إلى حد كبير عن المشهد السياسي والعسكري، لم يعد واضحاً من يمتلك القرار النهائي في قضايا الحرب والتفاوض والتهدئة. ولم تعد الصورة التقليدية للنظام الإيراني كافية لفهم آلية الحكم الحقيقية داخله.

من الناحية الدستورية، لا يزال الإطار الرسمي قائماً؛ إذ يُعدّ "الولي الفقيه" القائد الأعلى للدولة، وبيده قرار الحرب والسلم والتعبئة، وتعيين رؤساء المؤسسات السيادية، فضلًا عن تأثيره الحاسم في مجمل البنية السياسية. غير أن النص الدستوري لم يكن يوماً كافياً لفهم طبيعة النظام؛ فالسياسة الإيرانية على مدى العقود الماضية، لم تتحرك وفق النصوص فحسب، بل وفق منطق مراكمة السلطة داخل مكتب المرشد، وفي أيدي عدد محدود من قادة "الحرس الثوري".

ولفهم هذا التحول، لا بد من النظر إلى مسار طويل من التاريخ السياسي الإيراني. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، قُدّم النظام بوصفه نموذجاً يمزج بين الدين والسياسة، مع إظهار ثنائية "الإصلاحيين" و"المحافظين" للإيحاء بوجود توازن داخلي. إلا أن هذه الثنائية كانت، إلى حد بعيد، واجهة سياسية وخداع للداخل الإيراني ودول الجوار والعالم بأسره.

وفي المقابل، كان الحرس الثوري يتمدد ويتوسع، مع حضور متزايد في الاقتصاد، ونفوذ أوسع في القرار الأمني، ودور مباشر في إدارة الملفات الإقليمية، ثم تحول تدريجياً إلى القوة الأكثر حضوراً داخل الدولة. وفي كل أزمة كانت السياسة تتراجع خطوة، ويتقدم الحرس خطوة أخرى.

ثمة قاعدة في علم السياسة، تقول: "الأزمات التي لا تغيّر النظام، تكشفه"، وبالنظر إلى تجارب دول عديدة واجهت حروباً أو عقوبات قاسية خلال العقود الأخيرة، نجد أن الأزمات كانت تدفع الأنظمة غالباً نحو التكيّف أو الإصلاح. أما في إيران، فقد قادت الأزمات المتلاحقة إلى مسار معاكس تماماً؛ مزيد من الانغلاق، ومزيد من التشدد، ومزيد من الاعتماد على القوة الصلبة.

ومع كل أزمة جديدة، كان الحرس يزداد نفوذاً، إلى أن أصبح الثقل الحقيقي للقرار في يد من يملك الصواريخ والطائرات المسيّرة والتنظيم والقدرة على التنفيذ، أي الحرس الثوري.

في هذه المرحلة، لا تختفي "ولاية الفقيه" من النصوص أو الخطاب الرسمي، لكنها تفقد تدريجياً جزءاً كبيراً من مضمونها العملي. تبقى كإطار شرعي، وكغطاء سياسي، وكأداة لتماسك النظام، لكنها لم تعد وحدها تحدد اتجاه القرار.

الثابت أن النظام الإيراني الراهن، أياً تكن وجوهه، يقترب من نهاية مشروع "ولاية الفقيه" بوصفه صيغة حاكمة، والحرس الثوري لم يعد يحتاج إلى شرعية الفقيه بقدر ما يستخدمها. خصوصاً في ظل مرشد لا يحمل رتبة "آية الله"، وهي الرتبة التي ارتبطت، عملياً وسياسياً، بصورة القائد الأعلى في المخيال الرسمي الإيراني. كما يفتقر إلى الثقل المرجعي الذي يسمح له بوراثة منصب "الولي الفقيه" بالمفهوم الذي وضعه مؤسسو النظام، ناهيك عن عجزه عن الحصول على تفويض ديني واسع داخل إيران أو خارجها.

ولعل المفارقة الأعمق أن الجمهورية الإسلامية، التي قامت أصلاً على فكرة "ولاية الفقيه"، تبدو اليوم أقرب إلى نموذج تُدار فيه الدولة بعقل الحرس لا بعقل المؤسسة الدينية.

من يقرأ المشهد الراهن بتجرد، يسهل عليه ملاحظة أن الحرب الأخيرة أثبتت أن الجمهورية الإسلامية، حين تُحاصر، لا تتجه نحو الاعتدال، بل نحو مزيد من التشدد. أي إنها تعود، لا إلى "ولاية الفقيه"، بل إلى "ولاية الحرس".

وهذا يختصر حقيقة واحدة، أن أي اتفاق أو تعامل غير جذري مع إيران الراهنة، إنما هو نوع من تأجيل الأزمة الحالية وتدويرها، في انتظار الأزمة القادمة مع نسخة أخرى أكثر تطرفاً. وهنا تحديداً يصبح العالم أجمع شريكاً في الإجابة على السؤال الحقيقي، أي إيران نريدها أن تتشكل للمنطقة في السنوات المقبلة؟