شهد العقدان الأخيران من عصر الثورة الرقمية ظهور ما يسمى «خبراء السوشال ميديا». بينهم الصالح والطالح.
يفتون في الطعام والرأسمالية، وكريمات البشرة والرؤوس النووية، والحروب السيبرانية وأنظمة الغذاء التنحيفية، والعلوم السياسية وقراءة الطالع. لم يتركوا مجالاً أو تخصصاً إلا وأبحروا فيه وأعلنوا أنفسهم، وربما نصبهم متابعوهم ومريدوهم خبراء وحكماء ومتخصصين.
المؤكد أن بين هؤلاء من يستحق أن يكون خبيراً، وجديراً بالثقة والمتابعة. لكن المؤكد أيضاً أن الأثير فيه متسع للجميع، دون شرط كشف المؤهلات والخبرات وسابق الأعمال.
يخبرنا موقع «ستاتيستا» المتخصص في بيانات السوق والمستهلكين، أن على الأثير ما لا يقل عن 200 مليون صانع محتوى. وبعض التقديرات تشير إلى أن العدد يتجاوز 300 مليون.
تنظيم هذا العدد المهيب من «الصناع» أمر شبه مستحيل، إلا إذا قررت الشركات المالكة لمنصات السوشيال ميديا إغلاقها، وهذا أمر غير وارد. الوارد هو تحكيم العقل والمنطق ومصالح البلدان والشعوب، وعلاقاتها ببعضها البعض، قبل وأثناء وبعد تصفح أو مشاركة أو حتى صناعة المحتوى على السوشيال ميديا.
العامان الماضيان حفلا بتجارب قاسية عديدة على الأثير في منطقتنا العربية. في أعقاب عملية السابع من أكتوبر عام 2023، ومرة أخرى، بعد ما اندلعت حرب إيران، وحتى اللحظة، نشط «خبراء الأثير» كما لم ينشطوا من قبل. نظريات، وتفسيرات، وتحذيرات، وتحليلات، وكذلك «معلومات» ما أنزل الله بها من سلطان، تموج بها منصات السوشيال ميديا بشكل مخيف.
المسألة لا تتعلق بحرية الرأي، أو النقاش، أو حتى الجدال والاختلاف. هي أكبر وأخطر من ذلك بكثير. توجيه اتهامات دون سند، وخلق أجواء استقطاب مبنية على أفكار وأيديولوجيات وتوجهات مسبقة، ولن نقول تنفذ مخططات ومؤامرات، منعاً للدخول في حيز الاتهام بنسب كل كبيرة وصغيرة إلى الحس التآمري، وغيرها الكثير من تخمة الأيديولوجيات على حساب المعلومات، وربكة المواقف على خلفية تأجج الصراعات، مع إتاحة الشبكة العنكبوتية ملجأ للباحثين عن تفسير، ومهرباً للمنقبين عن وجهة نظر تدعم توجهاتهم وأفكارهم المسبقة، أصبحت سيدة موقف الأثير.
لم يعد الأمر يتوقف عند حدود مصممي ومهندسي الخوارزميات، والمستشارين السياسيين والاستراتيجيين الرقميين الموكلة إليهم مهام تحريك الاستقطاب السياسي، وتفعيل الفرقة والفتنة على الأثير، عبر تصميم خوارزميات تضع التفاعل في مقدم الأولويات، على حساب الخطاب الموضوعي والمعلومات المنزهة عن التوجهات. إنه عصر الخوارزميات المصممة بشكل يوازي، وربما يفوق، حجم الإثارة والغضب والخوف الموجودة على أرض الواقع.
واقع الحال على مدار العامين الماضيين، يشير إلى توسع قاعدة خبراء السوشيال ميديا، ومنهم من تحول إلى قادة رأي، وزعماء أيديولوجيا، وصانعي رأي عام، رغم أن كل ملكاتهم وقدراتهم تتلخص في معرفة كيفية دغدغة مشاعر الجمهور الرقمي، وذلك بعد تقسيمه، سواء طائفياً أو سياسياً أو اجتماعياً.
إذا كانت الخوارزميات أمراً واقعاً لا مجال لإصلاحه أو نزع سمومه، أو توجيه مصمميه صوب الموضوعية، يبقى طرفان آخران قابلان للإصلاح: من ينصبون أنفسهم خبراء وقادة رأي دون وجه حق أو معرفة، والمستخدمون.
النهج المقترح بالنسبة إلى «خبراء السوشيال ميديا» متعدد الطبقات، فهو يبدأ باتباع المعايير المهنية والموضوعية والأخلاقية، ويمر بسياسات المنصات التي يجب أن تكون أكثر صرامة وشفافية، ولا تتبع قواعد صارمة هنا وأخرى متهاونة هناك، وتنتهي بضغط الجمهور.
ضغط الجمهور عملية بالغة الصعوبة، حين يكون الجمهور نفسه هو الباحث عن التحيز، دون أن يعي ذلك، لا سيما في الأمور المتعلقة بالسياسة أو الدين.
قدرة السوشيال ميديا على استقطاب الجماهير، والدق على النعرات الطائفية والسياسية، لم تعد محل شك. ويبقى خط الدفاع هو الوعي والتفكير النقدي، وتحكيم العقل، واعتبار تصفح المنصات مسؤولية وعملية تفاعلية.
واجب المتصفح قبل أن يثمن ويصدق ويشارك ما يقرأ أو يشاهد أو يسمع، أن يتمهل قليلاً، يتوقف ويقيم مشاعره، يتحقق من المصدر والصانع، ومن المعلومة، ويضع في اعتباره تحيزاته الشخصية.