شهد مفهوم التوطين خلال السنوات الأخيرة تحوّلاً جوهرياً في دلالاته وأدواره داخل الاقتصادات الحديثة. فبعد أن نُظر إليه لفترة طويلة باعتباره سياسة تهدف بالدرجة الأولى إلى تنظيم سوق العمل وزيادة فرص توظيف المواطنين، أصبح اليوم يرى رافعة استراتيجية لتعزيز تنافسية الشركات ودعم استدامة الاقتصاد، إذ تسهم الكفاءات الإماراتية، بما تمتلكه من معرفة عميقة بالسياق المحلي وفهم لاحتياجات المجتمع والاقتصاد، في تطوير نماذج أعمال أكثر قدرة على الابتكار والاستجابة للمتغيرات، وهو ما يجعل الاستثمار في رأس المال البشري الوطني عاملاً حاسماً في بناء اقتصادات أكثر مرونة وقدرة على النمو.
وفي هذا السياق، يضطلع مجلس تنمية الموارد البشرية الإماراتية في دبي بدور محوري في دفع عجلة الاستثمار في المواهب البشرية، وتطويرها، وضمان استقرارها، لا من خلال توظيف الكفاءات الإماراتية وحسب، بل كذلك برفدها بكافة الأدوات والوسائل الضرورية لتمكينها من الإسهام الفعلي في تطوير نماذج الأعمال.
وخاصة بالنظر للدور المحوري للكفاءات الإماراتية في مواجهة الأزمات والتحديات، وابتكار حلول لها، ودعم تنافسية الشركات في مختلف القطاعات وعلى كافة الصُعد، بما يتماشى مع رؤية أجندة دبي الاقتصادية D33، ويسهم في تحقيق مستهدفاتها الرامية إلى تنشيط الاقتصاد الوطني والقطاعين العام والخاص وتعزيز تنافسيتها المحلية والإقليمية والدولية.
تجاوز مفهوم الاستثمار في الكفاءات الإماراتية اليوم كونه مجرد التزام تنظيمي أو استجابة طارئة لمتطلبات السياسات العامة، وأصبح محوراً أساسياً من محاور التنمية، وخياراً استراتيجياً ضرورياً للدول الرامية إلى بناء أصول راسخة ومستدامة، وأجيال من قادة المستقبل الأكفاء، من خلال إيجاد بيئة اقتصادية متينة تستقطب الشركات العالمية الراغبة في تعزيز حضورها في الأسواق المحلية والإقليمية.
فالمواطنون هم الأقدر على فهم السوق المحلية، وتحليل السياق الاقتصادي والاجتماعي للدولة، وتقديم رؤى عملية تسهم في تطوير الخدمات والمنتجات بما يتناسب مع احتياجات المجتمع وتطلعاته المستقبلية، في تفاعل فعال بين المعرفة المحلية والخبرة المهنية، ومزيج يوجد بيئة خصبة للابتكار المؤسسي، ويعزز قدرة الشركات على بناء نماذج عمل أكثر مرونة واستجابة للتغيرات.
كما أن دمج الكفاءات الإماراتية ضمن فرق العمل المتنوعة يسهم في بناء ثقافة مؤسسية قائمة على المشاركة وتبادل المعرفة، الأمر الذي يعزز الابتكار الداخلي ويحفّز تطوير حلول جديدة للتحديات التي تواجه الشركات.
فالتنوع في الخلفيات المهنية والثقافية يوجد بيئة عمل أكثر ديناميكية، ويتيح تبادل الأفكار وتكامل الخبرات، ما يمثل عنصراً أساسياً في تطوير نماذج أعمال مرنة وقادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في الأسواق العالمية.
وحين يشعر الموظفون بأنهم جزء من مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية لبلادهم، يرتفع مستوى التزامهم واندماجهم المهني بشكل ملحوظ، ما ينعكس إيجاباً على الإنتاجية وجودة الأداء المؤسسي، ويعزز قدرة الشركات على تحقيق أهدافها الاستراتيجية والاقتصادية الوطنية بكفاءة أعلى.
تقدم قابل للقياس
وقد أظهرت التجارب الحديثة في دبي أن التوطين يمكن أن يشكل محركاً حقيقياً لتطوير سوق العمل وتعزيز تنافسية القطاع الخاص في آنٍ معاً، إذ أسهمت جهود ومبادرات مجلس تنمية الموارد البشرية الإماراتية في دبي بالتعاون مع الجهات المعنية والشركاء الاستراتيجيين في القطاعين الحكومي والخاص في تحقيق نقلة نوعية في توظيف المواطنين في الإمارة.
حيث ارتفع عددهم في القطاع الخاص بنسبة 350 % من عام 2021 إلى 2025، وهو مؤشر واضح إلى التحول الإيجابي في توجهات التوظيف داخل الشركات، ويعكس فاعلية البرامج والسياسات الهادفة إلى تعزيز فرص العمل النوعية للكفاءات الوطنية .
كما تم التواصل مع أكثر من 42850 شركة من خلال منصات متخصصة لربط احتياجاتها الوظيفية بالكفاءات الإماراتية ما يعكس اتجاهاً متنامياً لدى الشركات للاعتماد على المواهب الوطنية كجزء أساسي من استراتيجياتها للنمو، وإدراكها المتزايد لقيمة هذه الكفاءات في دعم الابتكار وتعزيز القدرة التنافسية.
مبادرات استشرافية وحلول مبكرة
تلعب برامج التدريب والتأهيل دوراً محورياً في إعداد الكفاءات القادرة على قيادة الابتكار في مختلف القطاعات، وفي هذا السياق، تُعد مبادرة «طموح دبي»، التي أطلقها مجلس تنمية الموارد البشرية الإماراتية بهدف دعم جهود تنمية الكفاءات الإماراتية وصقل مهاراتها وقدراتها، من أبرز المبادرات المحلية الرامية إلى تطوير رأس المال البشري الوطني وتعزيزه وفق أولويات التنمية المستدامة في دبي.
حيث تسعى إلى توفير فرص تدريب عملي لـ10 آلاف خريج إماراتي داخل مؤسسات القطاع الخاص، إلى جانب توظيف 5 آلاف مواطن في هذا القطاع، بما يسهم في بناء مسارات مهنية واضحة ومستدامة تنسجم مع مستهدفات أجندة دبي الاقتصادية D33 وتعزز تماشي مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل.
وتأتي منصة «المورد البشري الإماراتي»، التي أطلقها المجلس مؤخراً، في طليعة المبادرات النوعية أيضاً، حيث تشكل حلقة وصل بين الكفاءات الإماراتية وفرص العمل والبرامج التدريبية المناسبة، وفق منهجية تركز على الشفافية والموثوقية.
كما أنها تمثل أداة استراتيجية داعمة لتمكين الكفاءات الإماراتية، ومنظومة متكاملة تسهم في الارتقاء بكفاءة التخطيط للقوى العاملة، وتعزيز التنسيق بين الجهات التعليمية وجهات التوظيف، بما يصبّ في دعم جهود استدامة التوطين، وتطوير جاهزية أبناء وبنات الإمارات للانخراط في القطاعات الحيوية ذات الأولوية الاستراتيجية.
ويعكس هذا التوجه فهماً متزايداً لأهمية الاستثمار المبكر في رأس المال البشري، بما يضمن جاهزية الكفاءات الإماراتية للمساهمة بفعالية في مسيرة التنمية الاقتصادية، ويعزز قدرة المؤسسات على استقطاب مواهب تمتلك المعرفة والمهارات التي تتطلبها اقتصاديات المستقبل.
قوة دافعة للاستدامة الشاملة
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن التوطين لم يعد مجرد هدف اجتماعي أو اقتصادي، بل أصبح أحد محركات الابتكار المؤسسي. فالشركات التي تنجح في استقطاب الكفاءات الإماراتية وتمكينها من الإسهام الفعلي في تطوير أعمالها، ستكون أكثر قدرة على فهم الأسواق المحلية، وأكثر مرونة في التعامل مع المتغيرات، وأكثر استعداداً لابتكار حلول جديدة تدعم نموها واستدامتها.
ومن هذا المنطلق، يشكل الاستثمار في المواهب الوطنية فرصة حقيقية للشركات لتعزيز تنافسيتها، وفي الوقت ذاته الإسهام في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة يقوده الإنسان والمعرفة، ويجعل من الكفاءات الإماراتية شريكاً أساسياً في صياغة مستقبل التنمية في دولة الإمارات.
رئيس مجلس تنمية الموارد البشرية الإماراتية في دبي