لا مناص من القول إن القضية الفلسطينية بكل ما تحمله من آلام، ظلت عبر عقود طويلة محور العقل العربي السياسي، وتتشكل حولها المواقف الشعبية، وتُختبر عندها صدقية الشعارات. فهي ليست مجرد قضية سياسية، بل رافعة وجدانية عميقة، تختلط فيها الهوية بالتاريخ، والعدل بالظلم، غير أن هذه المكانة الرفيعة جعلتها في الوقت ذاته هدفاً مفتوحاً لمحاولات التوظيف والاستثمار السياسي الفج من أطراف متعددة، كان أبرزها في العقود الأخيرة، النظام الإيراني بعد ثورته عام 1979.

في البدايات، استبشرت القيادة الفلسطينية المعترف بها دولياً بما بدا وكأنه حليف جديد، يرفع لواء العداء لإسرائيل، والإنصاف للفلسطينيين، ويعلن دعمه الصريح للقضية، لكن شهر العسل لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تكشفت الفوارق بين منطق الدولة الوطنية الفلسطينية التي تسعى إلى استقلال قرارها، ومنطق الثورة الإيرانية التي كانت تبحث عن تابعين لا عن حلفاء متكافئين، وهنا بدأ الجفاء بين السلطة الفلسطينية والدولة الإيرانية الجديدة، لتنتقل طهران إلى البحث عن قنوات بديلة، فوجدت ضالتها في بعض الفصائل التي قبلت أن تكون جزءاً من مشروع أوسع، يتجاوز حدود فلسطين نفسها، ويخدم المشروع الإيراني.

بهذا التحول لم تعد القضية الفلسطينية في الخطاب الإيراني غاية بحد ذاتها، بل أصبحت وسيلة ضمن أدوات النفوذ الإقليمي، أي أنها تحولت من قضية تحرر وطني، إلى ورقة في لعبة التوازنات، تستخدم عند الحاجة، وتهمل عند تغير الأولويات.. وهذه النقلة هي بيت القصيد في فهم ما يمكن تسميته اللعب على العقل العربي، حيث تستدعى فلسطين لاستثارة المشاعر، بينما تدار السياسة بمنطق المصالح الإيرانية فقط.

الشاهد الأول على هذا التناقض، برز بوضوح في أحداث السابع من أكتوبر 2023، حين دخلت حركة حماس في مواجهة غير متكافئة مع إسرائيل، دفعت فيها غزة أثماناً بشرية ومادية باهظة.. فالملاحظة التي لا يمكن تجاوزها، أن الدعم الذي رُوّج له طويلاً، لم يتحول إلى فعل حقيقي عند لحظة الاختبار الكبرى. لم تستخدم الترسانة الصاروخية الإيرانية، ولم يحدث تدخل يغير موازين القوى، بل تركت غزة تواجه مصيرها وحدها.. بل وصل الأمر أن يعلن عبد اللهيان وزير الخارجية وقتها، أن طهران على استعداد أن تكون مكاناً لتبادل الأسرى بين إسرائيل وحماس، في إشارة للمجتمع الدولي أنها محايدة في الصراع!

أما الشاهد الثاني، فيتمثل في التناقض الواضح في الموقف من علاقات الدول العربية مع إسرائيل، فمن جهة تُشن حملات نقد حادة من طهران على بعض الدول، وتُصوَّر علاقاتها بإسرائيل باعتبارها خيانة للقضية، بينما من جهة أخرى، تُغض الطرف، بل ويجري الإشادة بدول لها علاقات قائمة أو قنوات تواصل مباشرة مع إسرائيل، إذا ما اقتضت المصلحة السياسية ذلك. هذا الكيل بمكيالين، يكشف أن المعيار ليس ثابتاً أخلاقياً، بل حساب مصلحة متغير.

من خلال هذين الشاهدين، تتضح الصورة أمام القارئ الفطن، أن فلسطين في هذا السياق ليست سوى ورقة تفاوض، تستخدم لتحسين الشروط في صراعات أخرى، أو لتعزيز النفوذ في الإقليم، أما العداء لإسرائيل، فهو في كثير من الأحيان وسيلة تعبئة، لا استراتيجية تحرير.. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، إذ يتحول الوعي العربي إلى ساحة مفتوحة للتأثير فيه، تُحرَّك فيها المشاعر بعيداً عن قراءة الوقائع.

حماية العقل العربي اليوم، لا تعني التخلي عن فلسطين، بل على العكس، تعني إعادة وضعها في سياقها الصحيح، كقضية شعب يسعى إلى حقوقه المشروعة، بعيداً عن التوظيف الإقليمي.. فالقضية العادلة لا تحتاج إلى من يستثمرها، بل إلى من يحفظها من الاستغلال.. وبين العاطفة الصادقة والسياسة الباردة، تبقى الحاجة ملحة إلى وعي يميز بين من يدعم فعلاً، ومن يوظف قولاً.