أطلق بوب كاريجان رئيس منصة أوديبل الأمريكية، التابعة لشركة أمازون، فكرة هي الأولى من نوعها في مدينة نيويورك، ثم وصفها بأنها: فكرة مجنونة بعض الشيء.

الفكرة كما نقلتها وكالات الأنباء، هي إطلاق أول مكتبة بلا كتب ورقية، والمعنى أنها كتب صوتية يسمعها القارئ بدلاً من أن يقرأها، وقد شاعت وانتشرت هذه الكتب منذ فترة، ولكنها لم تكن قد عرفت مكتبات خاصة بها.

لقد عرفنا من قبل مكتبات للأسطوانات، سواء كانت أسطوانات مرئية، يمكن متابعة محتواها من خلال أجهزة الفيديو، أو كانت مسموعة، يمكن متابعة محتواها على أجهزة التسجيل، وكان يقال عن الأشرطة المسموعة إنها شرائط كاسيت، وكانت أسبق إلى الأسواق من الأشرطة المرئية. وفي الحالتين، كانت الفكرة هي استحضار شاشة التلفزيون في أي وقت تحبه، وكان شريط الفيديو هو أداة هذا الاستحضار، وكان ذلك يعفيك من أن تكون مقيداً في المشاهدة بتوقيتات التلفزيون في عرض أعماله.

وكانت الفكرة في شرط الكاسيت، أنه ينقل الراديو إلى يديك، بحيث تستطيع أن تسمع أغنية لأم كلثوم مثلاً أو عبد الحليم في أي وقت تريده، بدلاً من أن ترتبط بتوقيتات إذاعة الأغاني على موجات الإذاعة في توقيتات محددة سلفاً.

ذلك أن شريط الكاسيت إذا كان في يدك، فليس مطلوباً منك إلا أن تضعه في جهاز التسجيل أو «الريكوردر»، ثم تضغط على زر التشغيل، فتسمع أغنيتك المفضلة دون أن تكون مضطراً إلى انتظار إذاعتها في الراديو.

أما الكتب الصوتية، فهي شيء آخر، صحيح أنها من النوع نفسه، ولكنها شيء مختلف، والسبب أن العالم نشأ على أنه من الممكن للشخص أن يسمع أغنيته المفضلة على شريط كاسيت، إذا عز عليه أن يجد الراديو متاحاً، ثم أن يتابع مسرحيته المفضلة على شريط الفيديو، إذا عز عليه أن يجدها على شاشة التلفزيون، وهكذا مضى الحال بين الأغنية المسموعة والمسرحية المرئية.

ولكن الجديد أن تنتقل الكلمة المقروءة لتكون مسموعة، وقد تابع كثيرون بيننا هذا التطور التكنولوجي عند نشأته قبل سنوات، ولم يكن من المتوقع أن يتوالى التطور ليصل إلى حد أن تكون في مدينة مثل نيويورك مكتبة صوتية للكتب، هي الأولى من نوعها فيها.

وإذا كان بوب كاريجان قد وصف المكتبة بأنها فكرة مجنونة بعض الشيء، فالمعنى أنها يمكن أن تنجح أو لا تنجح، وهذا ما سوف تقوله التجربة العملية، وسوف تكون هي الفيصل في الحكم على مدى جنون الفكرة.

كانت وكالة الأنباء الفرنسية إحدى الوكالات التي نقلت النبأ، ومما قالته نقلاً عن جمعية ناشري الكتب الصوتية، إن عائدات الكتب الصوتية في الولايات المتحدة الأمريكية بلغت مليارين و220 مليون دولار في 2024، وأن هذا الرقم تضاعف تقريباً خلال خمس سنوات.

هذا رقم صحيح في الغالب، لأن الوكالة التي نقلته وكالة كبيرة وشهيرة، ولأن جمعية ناشري الكتب الصوتية هي مصدره، ولأنها تذكر الرقم، وتذكر الحيز الزمني الذي يشمله، وبالتالي، فإننا أمام خبر موثق، إذا جاز التعبير.

غير أننا نتكلم هنا عن الكتب الصوتية في العموم، لا عن مكتبات متخصصة في الكتب الصوتية، ولذلك، فالنجاح الذي نترقبه هو للمكتبات التي شهدت نيويورك أول مكتبة فيها منها، لا نجاح الكتب الصوتية في حد ذاتها. فالكتب من هذه النوعية موجودة منذ فترة، وهناك مَنْ يقرأونها ويتابعونها، ولا أحد يستطيع أن يحكم على نجاحها من عدمه، لمجرد الإعلان عن هذا الرقم كعائدات على لسان جمعية ناشري الكتب الصوتية.

الرقم يمكن أن يكون معبراً عن نجاح أو غير معبر، إذا ما قورن بعائدات الكتب الورقية في المقابل، وفي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. أما الرقم في حد ذاته، فلا يعبر عن نجاح في المطلق، ولا يقول إن هذه المكتبة التي هي الأولى من نوعها في نيويورك، سوف تنجح وتزدهر، فالأصح أن على كاريجان أن ينتظر وأن ننتظر معه.

هل يمكن أن يأتي يوم يقصد القارئ مكتبة كهذه في مدينته، ثم يطلب رواية «الحرافيش» مثلاً لنجيب محفوظ ليسمعها؟ أو يطلب رواية «مئة عام من العزلة» لجابرييل جارثيا ماركيز، أو رواية «الذباب» لجان بول سارتر؟

الذين نشأوا على القراءة الورقية، سوف لا يتصورون هذا، أما الذين نشأوا على الكتب الصوتية، فالقضية بالنسبة لهم سوف تختلف، وسوف تدخل في نطاق العادة والاعتياد.