يطلق مصطلح «الشخص الموسوعي» على من يمتلك خبرة عميقة في مجالات متعددة، والذي لا يكتفي بالاطلاع، بل من يترك أثراً ملموساً في كل حقل يخوضه.

على سبيل المثال لا الحصر، يُعد العالم المسلم ابن الهيثم نموذجاً لمصطلح الموسوعية، فقد برع في علوم عديدة، مثل البصريات، والفيزياء، والرياضيات، والهندسة، والطب.

وترك لنا هذا العامل الموسوعي إرثاً علمياً هائلاً، تجاوز المئة مؤلف، تُرجم لعدة لغات، وأسهمت إنجازاته في النهضة الأوروبية.

من اختراعاته «القُمرة»، التي مهدت لاختراع الكاميرا، والتلسكوب لاحقاً. على عكس ذلك، في زماننا هذا، انتشرت ظاهرة مناقضة لهذا النموذج، وهي «ادعاء الموسوعية»، فكم من شخص نراه يخوض في كل موضوع يطرح، دون اختصاص أو دراية وإحاطة عميقة، فتجدهم يفتون ويتفلسفون بلا رصيد علمي أو إنجاز حقيقي على أرض الواقع. وإذا فتّشت عن مدعي الموسوعية، لا تجد لهم أثراً يُذكر سوى الكلام الكثير، الذي لا يسبقه أو يعقبه عمل أو منتج. من الدروس التي لا أنساها خلال دراستي العليا، ما كان يردده أساتذتنا دائماً: «قول: لا أعلم، لا يقلل من قدرك، بل يرفعك».

العالم الحقيقي هو الذي يعلم متى يصمت، ويحسن قول لا أعلم متى ما جهل الإجابة، لأن التظاهر بالمعرفة يفضح الجهل أمام من يُحسن الاستماع، ويقلل من احترام الآخرين له، مهما بدا كلامك مقنعاً ظاهرياً. قد تنطلي حيلة ادعاء الموسوعية على بعض الأشخاص بعض الوقت، ولكنها لن تنطلي على الجميع كل الوقت.

للأسف، مدعي الموسوعية لا يستطيعون ببساطة قول: «عذراً، لا أعلم، فيرونها عيباً وانتقاصاً في حقهم، وهم لا يعلمون حقيقة، أن العيب الحقيقي يكمن في الحديث عما نجهل، فهم يحاولون الإلمام بكل شيء، لكنهم يقعون في فخ المثل الشعبي «سبع صنايع والبخت ضايع»».

ماذا لو أدركنا أن ادعاءنا للمعرفة، يفسد علينا اكتساب المزيد منها؟

ماذا لو انشغلنا بتحقيق إنجاز صغير حقيقي، بدلاً من التظاهر بمعرفة كل شيء؟.