صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، أشاد، قبل يومين، بما ما قامت به قواتنا المسلحة من أدوار وطنية، وتضحيات مشرفة على مدى الخمسة عقود الماضية.

إشادة سموه جاءت بمناسبة الذكرى الـ50 لتوحيد القوات المسلحة في دولة الإمارات العربية المتحدة، أو كما سماها سموه «اليوبيل الذهبي لقواتنا المسلحة». حيث يمثل يوم السادس من مايو 1976 نقطة تحول مؤسسية لقواتنا المسلحة. فلم يكن قرار التوحيد مجرد دمج إداري لتشكيلات عسكرية قائمة، وإنما كان تأسيساً لبنية دفاعية قوامها وحدة القيادة والتماسك المؤسسي.

وقد جاءت هذه الإشادة المستحقة مواكبة مع الدور الدفاعي اللافت لقواتنا المسلحة في مواجهة أكبر عدوان واجهته التجربة التنموية لدولة الإمارات الملهمة للإنسانية من قبل النظام الإيراني على مدى تاريخها، ولكن قواتنا المسلحة كانت السد المنيع والحائط العالي للحفاظ عليها.

وللإشادة أهمية معنوية كبيرة، فهي جاءت من شخصية قيادية في دولة الإمارات شاركت في فكرة توحيد القوات المسلحة والأهداف التي دفعت بها لتتحقق، حيث أكدت صحة رؤية القياد الإماراتية بأن المكتسبات التنموية تحتاج إلى ذراع عسكرية قوية ومتينة لحمايتها.

في تجارب الأمم والحضارات الإنسانية هناك معياران اثنان لقياس مكانتها، المعيار الأول: الإنجازات التي تحققها ومدى ما تحرزه من تقدم وازدهار لأفرادها وللإنسانية بشكل عام. والمعيار الثاني:

القدرة على مواجهة التحديات وتخطي الصعوبات التي تواجهها الشعوب في مسيرتها التاريخية. ولاختبار قوة هذين المعيارين فإن الحروب والأزمات والتحديات هي المحك الأساسي في قياس عظمة الشعوب، بل في تحويلها إلى فرص.

حالة العدوان الإيرانيعلى دولة الإمارات كانت التجربة المناسبة لاختبار المعيارين، وأثبتت الدولة قوتها ومتانتها، مع أن الإمارات ليست عدوة لإيران وشعبها ولا هي من شنت عليها الحرب، وإنما إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أن النظام الإيراني وجه صواريخه ومسيّراته نحوها لدرجة بات يطرح السؤال: لماذا كل هذا الهجوم الإيراني على الإمارات؟

الإجابة المختصرة والتي اتفق عليها كل المراقبين والمتابعين للعدوان الغاشم، أن التجربة التنموية الإماراتية نقيض التجربة الإيرانية، وهذه التجربة في أحد جوانبها القوة الدفاعية، حيث استطاعت أن تصد ما نسبته 95% من الهجمات الإيرانية.

في حين أن التجربة الإيرانية ركزت على الجوانب العسكرية، ما تسبب في خسارة الشعب الإيراني ثرواته ومقدراته، بل كانت سبباً في خلق عداوة مع المجتمع الدولي والإقليمي، فلم ينجح النظام في تحقيق أي تنمية اقتصادية مع أن النظام كان قد وعد شعبه بعد الثورة في 1979 بأن يحقق له العيش الكريم، ولكن طموحات التمدد الإقليمي وعسكرة الدولة أدت إلى الفشل.

إن الشجاعة التي تجسدت في قواتنا المسلحة بالتعامل مع العدوان الإيراني غير قابلة للمقارنة مع أحد. فقد أثبتت قواتنا المسلحة عملياً، قدرة استثنائية على مواجهة أخطر التهديدات وأشدها مساساً بأمن واستقرار الدولة، والذي استمر حتى قبل أيام عندما استهدف المنشآت النفطية في الفجيرة، في إشارة واضحة عن تبييت النظام الإيراني «النية العسكرية» ضد الإمارات، ولكنها لم تحقق أهدافها.

لهذا، ليس من المبالغة اعتبار السادس من مايو عام 1976 تاريخ ميلاد توحيد قواتنا المسلحة ودرعنا الحصينة، فقد شكل قرار التوحيد لحظة التأسيس العسكري للدولة الاتحادية استجابةً لمثل هذه النوايا والأهداف، التي فرضت ضرورة إنشاء قوة دفاعية اتحادية لتكون أكثر قدرة على الردع والاستجابة والتحرك السريع.

بعد نصف قرن من توحيد قواتها المسلحة نستطيع القول: إن دولة الإمارات تتبع نهجاً يعتمد على التوازن الاستراتيجي، فتحافظ به على استقلالية القرار الدفاعي، ولا تندفع إلى الانخراط في تحالفات مغلقة، وتحقق مكاسب استراتيجية من التعاون مع القوى الكبرى، دون انحياز إلى أي طرف.