يوم 26 من أبريل الماضي، استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو خبرين، كانا بمثابة محصلة لمعطيات تفاعلت مؤخراً في بيئته المجتمعية الداخلية، ومن المتصور أنهما يؤشران بقوة إلى ما ينتظر شعبيته بعامة ومكانته السياسية بخاصة، من تداعيات مزعجة بأثر مستقبلي ليس ببعيد. الخبر الأول هو إصدار المحكمة العليا أمراً يلزم الحكومة بحجب مزايا مالية عن اليهود المتشددين (الحريديم)، الذين يرفضون خدمة العلم الإلزامية في الجيش، فيما يعلن الخبر الثاني عن توصل الخصمين المعارضين، نفتالي بينيت ويائير لبيد إلى اتفاق، يقضي باندماج حزبيهما في قائمة واحدة بعنوان بياحد (معاً)، سيخوضان بها الانتخابات النيابية في الخريف المقبل، وانهما يعتزمان أيضاً توجيه دعوة إلى غادي إيزنكوت للانضمام مع رفاقه إليهما.

هناك صلة وثيقة بين الأبعاد السلبية لهذين المستجدين، إلى الدرجة التي قد تستدعي في ذهن نتانياهو القول المأثور بأن المشكلات لا تأتي فرادى!.. فالقرار الخاص بالحريديم يفرض عليه جدلاً التعامل مع خيارين صعبين: فإما التنفيذ والإذعان، الذي يضعه في مواجهة قطاع مجتمعي عريض، لطالما شكل قاعدة انتخابية مضمونة لتعويمه واستمرار سطوته خلال العقود الثلاثة الماضية.. وإما المراوغة والالتفاف على القرار بصيغ تحايلية، سبق أن مارسها مطولاً، مع ما يعنيه ذلك من الصدام مع أعلى هيئة قضائية في الدولة، واستثارة غضب بقية القطاعات المنخرطة بالفعل في سلك الجندية، دون استثناء تشكيلات الاحتياط المعبئة على أكثر من جبهة.. وذلك في توقيت يقول هو بنفسه إن البلاد تواجه فيه «خطراً وجودياً».

من ناحية أخرى مزامنة وموازية، فإنه بتوافق بينيت ولبيد وإيزنكوت على قواسم انتخابية مشتركة، يمسي نتانياهو، وقوى «اليمين وأقصى اليمين» من حوله، بصدد كتلة معارضة سياسية يحسب حسابها، بوسعها استقطاب أغلبية نيابية، محدودة إن اقتصرت على عضوية يهودية بحتة، وكبيرة إذا ما انفتحت على الأحزاب والأصوات العربية، في جولة انتخابات الكنيست السادسة والعشرين.

لكل من بينيت ولبيد وإيزنكوت سيرة سياسية وعسكرية وازنة في إسرائيل، فالأولان ترأسا الوزارة لفترات قصيرة، والأخير كان قائد هيئة الأركان ويحظى بسمعة طيبة في الجيش والمنظومة الأمنية.

في حال مضت شراكة هذا الثلاثي في طريقها بلا عوائق، فسيتعين على نتانياهو مواجهة منافسين أشداء لديهم فرصة كبيرة في استجماع أصوات أغلبية نيابية، تزيحه من منصبه الرفيع، وتضع بذلك حداً نهائياً لأطول عهد لإسرائيلي واحد في هذا المنصب.

بعض المعنيين بتوجهات الرأي العام في إسرائيل، لم يدعوا هذه المؤشرات قيد التكهنات والافتراضات النظرية، فعجلوا بالتقاط اللحظة وإجراء استطلاعات تفصيلية حول دلالاتها بالنسبة لتفضيلات الناخبين، وهنا جاءت النتائج بما يزيد من هواجس وهموم نتانياهو ومحازبيه، فقد ثبت أنه لا يحظى الآن شخصياً بالأفضلية مقارنة بأي واحد من الثلاثة المتحالفين على حدة، فكيف الحال معهم مجتمعين؟ كما أن «ائتلافه الحكومي» لا يمكنه الصمود انتخابياً أمام شراكتهم الجديدة.. والخلاصة عموماً أن الرجل «لم يعد بنظر الإسرائيليين الأكثر ملاءمة لرئاسة الحكومة».

لنا أن نضيف إلى هذه الهموم التي تراود عقل نتانياهو وتضع مستقبله على صفيح ساخن، ما يقال عن احتمال تعرض الأغلبية الجمهورية، التي ينعم بها صديقه الصدوق ترامب للانتكاس لصالح الديمقراطيين، في انتخابات الكونغرس الأمريكي النصفية، التي تكاد تتزامن حرفياً مع انتخابات الكنيست المقبلة.. وبهذا، ربما خصمت أو قيدت هذه الانتكاسة من زخم الدعم اللامحدود الذي يتلقاه من البيت الأبيض.

مع ذلك كله، لا ينبغي الانجراف كلياً وراء الاعتقاد بأن خريف 2026 سيكون شؤماً على مصير نتانياهو في المجال العام، أو أنه سيشهد حتماً أفول نجمه، فنتانياهو رجل سياسة وإعلام ودعاية وعلاقات عامة مخضرم محنك، صاحب تجربة ممتدة في الاستمرار والمرور الآمن، على الرغم من متغيرات الحياة الحزبية الداخلية وخرائطها المعقدة. وقد نضيف إلى مسوغات التحفظ على مثل هذا الاعتقاد، تلك الفسحة الزمنية المتبقية على يوم الفصل الانتخابي المنتظر، التي قد تنطوي على مدخلات إيجابية بالنسبة لموقف نتانياهو على الصعد الداخلية أو الخارجية، مدخلات ربما خرج بعضها من جراب الرجل نفسه على طريقة الحواة المحترفين.