أسوأ وأخطر ما ستخلفه حرب إيران، عدم اليقين واهتزاز الثقة. منذ بدء الحرب والآثار الاقتصادية تسبق ضربات البحر والسماء. صعود أسعار وهبوط أسهم، اضطرابات حادة في الأسواق، تضخم هنا وانكماش هناك، تعطيل إمدادات وتباطؤ أسواق، استثمارات مؤجلة وسياحة متقلصة، والقائمة تطول.

الحرب ستعيد تشكيل اقتصاد العالم، كل منطقة بحسب تركيبتها، وكل دولة بناء على أولوياتها وقدراتها والخبرة التي اكتسبتها.

العلاجات والترميمات الاقتصادية، رغم صعوبتها، هي أسهل ما في المشهد. أما إعادة أو استعادة الثقة، فهي الأصعب والأكثر تعقيداً.

التحالفات الدولية كلها ستعيد تشكيل نفسها. التوازنات الجيوسياسية لن تعود كما كانت. سيعاد بناؤها بشكل مختلف، وربما أكثر براغماتية.

التهديدات الأمنية التي تعرضت لها دول المنطقة، ودول الخليج على رأسها، ستفرض نفسها أولوية في المرحلة المقبلة، لتعيد رسم خرائط التأمين، مع وضع الأمن على قدم المساواة مع التنمية والرفاه الاقتصادي.

مفهوم الأمن الإقليمي سيفرض نفسه على رأس الأولويات، بهدف التفعيل، بعد إعادة التعريف والتحديث. وبالطبع، فإن إعادة تعريف وتوصيف دور إيران في المنطقة، سيكون أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد، وسيستغرق وقتاً طويلاً، ربما سنوات.

تحول إيران من خطر يلوح في الأفق، إلى خطر يتجسد ويلحق الأضرار بكل ما ومن حوله، يعني أن القدر المتوافر من الثقة تآكل، وتراجع بشكل كلي. تعافي الاقتصاد شبه مضمون.

خطواته معروفة، ومكوناته متوافرة، والرغبة والإرادة مؤكدتان. أما تعافي الثقة فمعضلة كبيرة، لا سيما بعد ما تحطمت أدوات الدبلوماسية، وضُرب عرض الحائط بجهود الدعم والمساندة، بل تحول الداعم إلى هدف يتم النيل من أمنه واستقراره.

الجميع كان يتمنى لمنطقة الشرق الأوسط أن تبدأ في النهوض، وتتخذ مكاناً ومكانة تستحقهما في العالم. ولم لا، وهي لديها كل مكونات النمو والرفاه من موارد طبيعية وبشرية وجغرافية وتاريخية؟!

شاءت الأقدار أن تبتلى المنطقة بسلسلة من الحروب والصراعات، والتي بُذِلت الجهود المضنية من أجل إبقائها مشتعلة أطول فترة ممكنة. قبلها وأثناءها، تم طرح ورقة الإسلام السياسي كعامل مفتت ومدمر، وقادر على نشر سموم الفتنة والفرقة. ورغم ذلك، تمكنت الدول المستقرة والمتيقظة والمدركة لما يحاك ضدها وحولها من تحقيق قفزات، تختلف من دولة لأخرى، بحسب ظروفها وتجاربها.

وجاءت حرب إيران، وما كشفت عنه، لتمهد لصفحة جديدة في المنطقة. الخطر الذي تحول من الشك إلى اليقين، درس مؤكد وقاسٍ، لكن في الوقت نفسه، فإن ضبط النفس وإدارة الأزمة بحنكة وصبر وقوة وتدبير، جنباً إلى جنب مع دفاعات عسكرية قوية وقنوات دبلوماسية ذكية من قبل دول الخليج، كشفت عن مصادر قوة إضافية لم تكن تشغل البال كثيراً في عقود البناء والتنمية والتقدم.

أحياناً، تقع الأزمات لنعيد اكتشاف القدرات والإمكانات، ولكشف خبايا ما كان لها أن تتضح أو تنكشف. لم تنجر دول الخليج لمواجهة عسكرية مع إيران، وهذا عين العقل.

أجهض القرار الحكيم محاولات الزج بالمنطقة برمتها في عاصفة مدمرة. في الوقت نفسه، تصدت الدفاعات العسكرية، لا سيما الجوية، مع الهجمات التي تعرضت لها، باحترافية وكفاءة بالغة، أدى إلى صد مئات الصواريخ الباليستية والمجنحة والمسيرات، وتقليص هامش الخسائر بشكل مذهل. وكشفت هذه الهجمات عن جاهزية وقدرات استباقية قادرة على صد العدوان بسرعة وكفاءة مذهلتين.

يقولون إن «رب ضارة نافعة»، وما جرى على مدار الأسابيع الماضية، يبرهن على ذلك. قوة الشعوب التي تعرضت للعدوان غير المبرر، وولاء ومحبة وثقة المقيمين في قدرة القيادات على التعامل مع الموقف، مهما بلغ من فداحة، تقول الكثير أيضاً.

ما بعد الحرب سيتطلب الكثير. مرة أخرى، علاجات الاقتصاد هي الأسهل. أما علاجات الثقة والتوازنات وحسابات التحالفات والمصالح، فهو الأصعب، لكنه ليس مستحيلاً.

أشار مقال نشرته «مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي»، تحت عنوان «ثلاثة سيناريوهات لدول الخليج بعد حرب إيران»، إلى السيناريوهات الثلاثة أن الأول متفائل، والثاني واقعي، والثالث حذر. المؤشرات تقول إن المسار سيكون خليطاً من الثلاثة، وهو خليط الكفاءة والواقعية.