مع دخول اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات و«جمهورية كوريا الشقيقة» حيز التنفيذ في الأول من مايو 2026، حملت وثيقتها الرسمية كلمة واحدة تختصر تحولاً كاملاً: «الشقيقة»، كلمة تحمل وزناً مختلفاً عن «الصديقة» في القاموس الدبلوماسي العربي، والفارق أبعد من المجاملة البروتوكولية.

في القاموس السياسي الغربي، تتدرج العلاقات بين الدول وفق أوصاف واضحة: دولة صديقة ودولة حليفة وشريك استراتيجي، وهي مفردات سياسية تتردد في البروتوكولات والخطابات الرسمية من دون أن تشكّل مراتب قانونية ملزمة في القانون الدولي.

الرئيس الأمريكي يصف حلفاءه بـ«الأصدقاء» أو «الحلفاء»، والدبلوماسية الأوروبية تتحدث عن «شركاء»، أما تعبير «الدولة الشقيقة» فنشأ في السياق العربي والإسلامي، وتكرّس في أدبيات جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ليعبّر عن مستوى من التقارب يتجاوز المصالح المباشرة إلى امتدادات التاريخ واللغة والدين والجغرافيا المشتركة، وحين يستخدم قائد عربي هذا الوصف، فهو يستحضر بعداً وجدانياً أعمق من التحالفات السياسية أو العسكرية، يحمل في جوهره التزاماً أخلاقياً بالتضامن والوقوف معاً في لحظات الأزمات.

هذا التوصيف ظل حكراً على الدول العربية فيما بينها وعلى دول إسلامية في سياقات محددة كأن توصف ماليزيا أو تركيا أو باكستان بالشقيقة.

منح كوريا الجنوبية هذا التوصيف، وهي دولة تفصلها عن الخليج آلاف الكيلومترات، لغتها مختلفة وثقافتها مغايرة، يعكس تحولاً في فلسفة الإمارات تجاه شراكاتها يتجاوز الاتفاقيات التجارية.

ما فعلته كوريا تحت النار هو ما بنى هذا التوصيف، ففي مارس 2026 وبينما كانت إيران تستهدف الدول الخليجية، وتضرب الإمارات بأكبر عدد من صواريخها، سحبت كوريا الجنوبية صواريخ اعتراضية من منظومة «تشيونغونغ - 2» مباشرة من احتياطياتها العسكرية العاملة، وهي المنظومة ذاتها التي تشكّل ركيزة دفاع كوريا الجوي في مواجهة التهديد الصاروخي لكوريا الشمالية، وحمّلتها على طائرات نقل عسكرية ونقلتها إلى الإمارات استجابة لطلب طارئ، دولة قبلت تقليص مخزونها الدفاعي أمام تهديد نووي على حدودها لتعزّز دفاعات شريك يبعد آلاف الكيلومترات، هذا المستوى من الالتزام أعمق من أي عقد تجاري أو صفقة أسلحة.

الإمارات كانت قد تعاقدت عام 2022 على شراء عشر بطاريات من هذه المنظومة في أكبر صفقة تصدير أسلحة في تاريخ كوريا، بطاريتين منها كانتا في الخدمة الفعلية حين اندلعت الأزمة، وحققتا في أول اختبار قتالي حقيقي للمنظومة، نسبة اعتراض تجاوزت ستة وتسعين بالمئة، وخلال أزمة إغلاق مضيق هرمز، أمدّت الإمارات كوريا بأربعة وعشرين مليون برميل نفط بالأولوية القصوى.

هذا التبادل تحت النار جاء تتويجاً لشراكة بُنيت عبر سبعة عشر عاماً من المصالح المتبادلة، حيث بدأت كوريا عام 2009 بناء محطة براكة للطاقة النووية السلمية بعشرين مليار دولار، أول محطة نووية تجارية في العالم العربي، وأول مشروع نووي تنفذه كوريا خارج حدودها، أربع وحدات نووية بقدرة 5600 ميغاواط تولّد اليوم ربع كهرباء الإمارات، وتجنّب البيئة أكثر من اثنين وعشرين مليون طن من الانبعاثات سنوياً، أي ما يعادل إزالة نحو خمسة ملايين سيارة من الطرقات، ضمن شراكة تشغيلية تمتد ستين عاماً.

عام 2011 نشرت كوريا وحدة «آخ» - وتعني «الأخ» بالعربية - في الإمارات، أول وحدة قوات خاصة كورية تُنشر خارج مناطق النزاعات في تاريخ جيشها لتدريب القوات الخاصة الإماراتية، وفي فبراير 2026 وقّع البلدان حزمة تعاون شاملة بلغت خمسة وستين مليار دولار، تضمّنت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة التي دخلت حيز التنفيذ في الأول من مايو، وهي الأولى من نوعها التي تبرمها كوريا مع دولة في الخليج أو في الشرق الأوسط بأسره، وتشمل قطاعات استراتيجية تمتد من الطاقة إلى التصنيع المتقدم والتكنولوجيا، إلى جانب مجالات التعاون الدفاعي، وتُلغي أو تخفّض الرسوم الجمركية على أكثر من واحد وتسعين بالمئة من السلع والخدمات المتبادلة.

الإمارات التي جعلت العون الخارجي ركيزة في سياستها منذ قيام الاتحاد وقدّمت مساعدات خارجية تجاوزت 360 مليار درهم، شهدت في ساعة الاختبار صمتاً أعاد تعريف مفهوم القرب، وما يتشكّل اليوم هو فلسفة جديدة في بناء الشراكات، تعيد ترتيب الأولويات وفق معيار واحد واضح: من يقف معك زمن الصواريخ ويبني معك وقت الهدوء.

كوريا سحبت منظوماتها من مواجهة تهديد نووي لتحمي شريكها، وبنت مفاعلاً يغذّي ربع احتياجات الإمارات من الكهرباء، وأرسلت نخبة جيشها ليتمركزوا على أرضها ويتدربوا مع قواتها، ونموذج الدعم غير المشروط الذي حكم العلاقات العربية لعقود سيُعاد فيه النظر جذرياً، فالأخوّة في أعمق معانيها تُكتب بالأفعال.