في السادس من مايو، لا نستحضر مجرد تاريخ عسكري في سجل الدولة، بل نقف أمام محطة وطنية كبرى تختصر معنى الاتحاد في أصفى صوره، وتجسد واحدة من أعظم لحظات البناء السيادي في مسيرة دولة الإمارات العربية المتحدة، يوم توحيد القوات المسلحة، ذلك القرار التاريخي الذي نقل القوة من تفرق الجغرافيا إلى وحدة العقيدة، ومن تعدد التشكيلات إلى صلابة المؤسسة، ومن حماية الحدود إلى حماية الحلم الوطني بأبعاده كافة.

إن مرور 50 عاماً على توحيد القوات المسلحة ليس مناسبة عابرة، بل لحظة وفاء عميقة للقيادة المؤسسة التي أدركت مبكراً أن الاتحاد لا يكتمل إلا بدرع تحميه، وأن التنمية لا تزدهر إلا في ظل أمن راسخ، وأن السيادة لا تصان بالشعارات، بل بالمؤسسات القادرة، والرجال المخلصين، والعقيدة الوطنية التي لا تساوم على الوطن ولا على مكتسباته.

لقد كان قرار توحيد القوات المسلحة تعبيراً عملياً عن عبقرية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وإخوانه الآباء المؤسسين، حين نظروا إلى المستقبل بعين الدولة لا بعين اللحظة، وبنوا جيشاً لا يقوم على القوة المادية وحدها، بل على الإيمان بالوطن، والولاء للقيادة، والاستعداد الدائم للتضحية. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت قواتنا المسلحة عنواناً لوحدة البيت الإماراتي، وركناً من أركان استقرار الدولة، وامتداداً لقيم الاتحاد التي قامت على التلاحم والثقة والعمل المشترك.

وعلى امتداد 5 عقود، لم تكن قواتنا المسلحة مجرد مؤسسة دفاعية، بل مدرسة وطنية كبرى في الانضباط والشرف والواجب. فيها يتعلم الإنسان الإماراتي أن حب الوطن ليس عاطفة معلنة فقط، بل التزام وسلوك وتضحية واستعداد. وفي ميادينها تتجسد معاني الرجولة المسؤولة، والجاهزية الهادئة، والقوة المنضبطة، والولاء الذي لا تهزه الظروف ولا تربكه التحديات.

وقد مضت قواتنا المسلحة، في ظل القيادة الحكيمة، على نهج واضح: قوة تحمي وتردع، وتبني السلام، وتصون الاستقرار بمنطق المسؤولية. فالإمارات، كما تؤكد قيادتها الحكيمة دائماً، دولة سلام وتسامح وتعاون، لكنها في الوقت ذاته دولة تعرف قيمة أمنها، وتدرك أن حماية الوطن واجب مقدس، وأن الدفاع عن الأرض والإنسان والمكتسبات هو عهد وولاء وانتماء لا يقبل التهاون.

وفي ظل قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، اكتسبت القوات المسلحة عمقاً استراتيجياً متقدماً، برؤية سموه العسكرية والوطنية، وخبرته الطويلة في بناء القدرات، وإيمانه الراسخ بأن قوة الدولة تبدأ من قوة مؤسساتها، وأن الجاهزية ليست خياراً ظرفياً، بل عقيدة وطنية مستمرة. لقد أسهمت رؤية سموه في تحويل القوات المسلحة إلى نموذج احترافي متطور، يجمع بين الإنسان المؤهل، والسلاح الحديث، والتخطيط الاستراتيجي، والتدريب النوعي، والقدرة على مواكبة تحولات الحروب الحديثة.

ولذلك، فإن قواتنا المسلحة اليوم ليست قوة تقليدية في مفهومها القديم، بل منظومة سيادية متكاملة، تمتلك القدرة على العمل في بيئات متعددة، وتستوعب متغيرات التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والحروب الهجينة، والتهديدات غير التقليدية. فهي جيش المستقبل بروح المؤسس، ومؤسسة الحداثة بجذور الاتحاد، وقوة الردع بعقل الدولة الرشيدة.

ولأن الإمارات لا تفصل بين أمنها الداخلي ودورها الإنساني والخارجي، فقد كانت قواتنا المسلحة حاضرة في ميادين الواجب، لا بكونها قوة عسكرية فحسب، بل بكونها وجهاً مشرفاً للمعدن الإماراتي الأصيل. حيثما حضرت، حضرت معها قيم زايد، والانضباط، والإنسانية، واحترام الشعوب، ومد يد العون. ومن هنا اكتسب الجندي الإماراتي صورته النبيلة: مقاتل شجاع عند الضرورة، وإنسان رحيم عند الملمات، وسفير لقيم وطنه في كل ميدان.

وفي هذه المناسبة العزيزة، نستحضر شهداء الوطن الأبرار، الذين كتبوا بدمائهم أن الإمارات لا تُصان إلا بالتضحية، وأن الراية لا تبقى مرفوعة إلا برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. هؤلاء الشهداء هم المعنى الأسمى للقوات المسلحة، وهم البرهان الخالد على أن الولاء في الإمارات ليس كلمة تقال، بل موقف يثبت عند الشدائد، وعهد يتجدد في ذاكرة الأجيال.

إن يوم توحيد القوات المسلحة الـ 50 هو يوم فخر لكل إماراتي ومقيم على هذه الأرض الطيبة. هو يوم نقول فيه إن جيشنا ليس بعيداً عن المجتمع، بل هو من صميمه، من بيوت الإمارات، من قيم زايد، من أخلاق عيال زايد، ومن مدرسة القيادة التي علمتنا أن الوطن أمانة، وأن أمنه مسؤوليتنا جميعاً وكلنا شركاء فيه، وأن الالتفاف حول قيادته ومؤسساته هو خط الدفاع الأول في وجه كل تحدٍ.

وبعد 50 عاماً، تقف القوات المسلحة الإماراتية شامخة، وستظل درعاً للوطن، ورمزاً لصلابة الاتحاد، ومرآة لعزيمة القيادة الحكيمة، وتجسيداً لإرادة شعب آمن بأن الإمارات وطن متفرد لا يشبه الأوطان، وأن حمايته شرف لا يعلوه شرف. ستبقى قواتنا المسلحة، بإذن الله، سياج السيادة، ودرع الاتحاد، وحصن المستقبل، وستبقى راية الإمارات عالية خفاقة، في ظل القيادة الحكيمة، وبولاء الشعب الوفي، وبإخلاص قواتنا المسلحة التي تدرك أن القسم تجاه صون الوطن عهد حياة.